بريطانيا تستثمر الفجوة بين إدارة بايدن والسعودية لحل أزمتها ما بعد بريكست

بريطانيا

جا في صحيفة “العرب”: ترافقت زيارة وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب إلى السعودية ولقاؤه بولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع فجوة واضحة بين المملكة وبين الولايات المتحدة منذ صعود جو بايدن إلى الرئاسة وقراراته المتسرعة بشأن وقف بيع الأسلحة للرياض والضغط لتسريع الحل في اليمن دون مراعاة وجهة نظر السعوديين القائمة على حماية أمنهم القومي في مواجهة نفوذ إيران المتزايد على حدودهم الجنوبية.

وقالت أوساط خليجية متابعة إن بريطانيا، التي تعيش وضعا خاصا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ستعمل على كسب ود السعوديين من خلال إظهار تفهم لموقفهم مما يجري في اليمن وملء الفراغ الذي تركه قرار واشنطن وقفَ بيع الرياض أسلحة هجومية لمساعدتها في مواجهة الأسلحة التي يحصل عليها الحوثيون من إيران.

وأشارت هذه الأوساط إلى أن لندن ستحاول أن تقف في منتصف الطريق، فهي تسترضي السعوديين لكسب ودهم مقابل الحصول على استثمارات سعودية هي في أمس الحاجة إليها، ولكن دون أن تغضب واشنطن أو تقف في وجه خياراتها بشأن الإسراع في إيجاد حل لأزمة اليمن قد يجبر الرياض على تقديم تنازلات دون أن تكون راضية عنها.

وقال بيان لوكالة الأنباء السعودية الرسمية “واس” إن المباحثات بين ولي العهد السعودي ووزير الخارجية البريطاني، والتي حضرها وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، تطرقت إلى “مستجدات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، والجهود المبذولة بشأنها بما يعزز الأمن والاستقرار فيها”.

كما استعرض الجانبان “العلاقات الثنائية، وأوجه التعاون المشترك في مختلف المجالات”.

وربط مراقبون زيارة راب إلى السعودية بالرغبة البريطانية في توسيع دائرة التعاون مع دول الخليج بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي واضطرار لندن إلى بناء علاقات جديدة تعوضها عن الخسائر الناجمة عن بريكست، لكنهم حذروا من أن البريطانيين ليس بإمكانهم أن يقدّموا موقفا واضحا بشأن القضايا الإقليمية، وخاصة تجاه حرب اليمن، وأن هدفهم طمأنة السعوديين وتسهيل الحصول على الاستثمارات والعقود التي يبحثون عنها.

وقال وزير الخارجية البريطاني إن “التغيير كبير في السعودية مع الإصلاحات التي يقودها ولي العهد، وإن رؤية 2030 جريئة وطموحة، وكشركاء للسعودية مستعدون للإسهام فيها”.

وفي فبراير الماضي أعلنت بريطانيا تعيين إدوارد ليستر مبعوثا خاصا لمنطقة الخليج، في خطوة لتعزيز علاقات لندن مع الدول الخليجية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.

ويشير المراقبون إلى وجود توافق أميركي – بريطاني بشأن مسار الحل في اليمن يقوم على تثبيت الواقع العسكري الحالي كما هو، والاعتراف بالمكاسب التي حققها الحوثيون على الأرض والتعامل معهم كقوة وازنة في أي حل.

كما أن البريطانيين أقرب إلى واشنطن من ناحية ضرورة الانفتاح على إيران بشكل أكبر وحل مشكلة ملفها النووي وفق حسابات غربية بعيدا عن مطالب الرياض التي تشترط تلازما في الاتفاق بين الملف النووي وإلزام إيران باحترام الأمن القومي لمحيطها والكف عن التدخل في شؤون بلدان الإقليم.

لكن المحلل السياسي السعودي علي بن محمد الرباعي قال إن علاقات السعودية مع كافة الأشقاء والأصدقاء تقوم على احترام متبادل وشراكات ضاربة الجذور في عمق الوجدان الشعبي والرسمي طيلة عقود، وإن الحديث عن فجوات بين الدول لا يرقى إلى مرتبة المعلومات، بل هو في أفضل حالاته تخمينات أو استنتاجات ذاتية.

وأضاف الرباعي، مؤلف كتاب “صراع التيارات في السعودية”، في تصريح لـ”العرب” أن “المملكة المتحدة والولايات المتحدة كلاهما حليف إستراتيجي وفوق مستوى الشوائب، والمملكة شريك جاذب لكل اقتصاديات العالم، والرؤية السعودية تتيح لشركات بريطانية وأميركية وغيرهما فرص الاستثمار في أكبر الأسواق الاقتصادية في الشرق الأوسط”.

وتعد بريطانيا واحدة من أكبر الدول التي تحظى باستثمارات وعلاقات عسكرية مع دول الخليج، إذ مثلت مشتريات السعودية نحو 43 في المئة من إجمالي مبيعات الأسلحة البريطانية خلال العشرية الأخيرة، وفق تقارير صحفية.

ولم توفق السعودية خلال السنوات الأخيرة في إقناع البريطانيين بجدوى تدخلها في اليمن، وخاصة ما تعلق بالتداعيات الإنسانية، وهو الوضع الذي استثمرته منظمات حقوقية ودوائر إعلامية ولوبيات نافذة في الهجوم على السعودية دون مراعاة مصالح بريطانيا في علاقتها مع الرياض وحاجة لندن إلى دعم خليجي في مسار ما بعد بريكست.

وكان ولي العهد السعودي قد قال في تصريحات له على هامش زيارته إلى لندن قبل أكثر من ثلاث سنوات “بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستكون هناك فرصٌ ضخمة لبريطانيا نتيجةً للرؤية 2030″، وإنه يأمل “أن تكون الشركات البريطانية قادرة على الاستفادة من التغيرات العميقة التي تحدث في بلاده، بعد إتمام مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي”.

ويراهن الأمير محمد بن سلمان على أن تحول رؤية 2030 والفرص الكبرى التي توفرها إلى نقطة جذب كبرى للشركات الدولية الكبرى، وهي ورقة اقتصادية ذات أهمية ستساهم في إسناد الموقف السياسي للمملكة في العلاقة بالغرب وخاصة في ملفات اليمن وإيران وحقوق الإنسان.

كما تستفيد السعودية من الإصلاحات الحاسمة في المجال الاجتماعي، خاصة ما تعلق بالمرأة والتشريعات القانونية والانفتاح على الثقافة الغربية بعد تقليص نفوذ المتشددين.

وفاجأ ولي العهد السعودي الغرب بإجراءات إصلاحية حاسمة، شملت السماح للمرأة بقيادة السيارة، والسماح لها بحضور الفعاليات الرياضية والاحتفالات الوطنية.

وتشهد المملكة افتتاحا لدور سينما ومسارح وإقامة حفلات غنائية، في وقت يزداد فيه الضغط كل يوم على رجال دين متشددين، لطالما هيمنوا على المجال العام في المملكة.