بعبدا تتّهم عين التينة بتجاوزها: الوسيط لا يكون طرفاً

ميشال عون و نبيه بري

كتبت “غادة حلاوي” في صحيفة “نداء الوطن”:

لا خليلين ولا جولات ولا مساعي جديدة على مستوى الحكومة. سدّت كل آفاق الحل وأقفلت خطوط التواصل وغاب الجميع عن السمع في محاولة لتطويق مفاعيل البيان الناري الذي اصدره القصر الجمهوري رداً على مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي كرس تكليف الحريري وقطع الطريق على تسمية بديل عنه في وقت كان عون ومعه باسيل دخلا فعلاً في مرحلة البحث عن مرحلة ما، بعد اعتذار الحريري بعد ان تأكد لهما جدية قراره. وأبعد من ذلك بدا وكأن بري بصلية المواقف التي أطلقها تقصّد استثناء دور عون في تشكيل الحكومة ليضعه أمام أمر واقع تمسك الجميع بالرئيس المكلف في مواجهته.

كان ينقص ذاك الخلاف العلني بين الرئاستين الاولى والثانية كي يكتمل مشهد التأزم ويصبح البلد امام مأزق كبير واصطفافات ذات طابع حاد. لم يكن الخلاف بينهما طارئاً والعلاقة لم تكن سوية من أساسها وقد بات كل طرف يعبّر عن انزعاجه من الآخر في الاجتماعات المغلقة. وجهتا نظر مختلفتين لكل واحدة مآخذها على الثانية وتتوجس منها.

شكّلت الرسائل العلنية والواضحة المغزى التي وجهها رئيس مجلس النواب نبيه بري على مدى يومين والتي اعلن خلالها تمسكه بالرئيس سعد الحريري مكلفاً لتشكيل الحكومة، سبباً مباشراً لبيان هجوم القصر الجمهوري على رئيس مجلس النواب ومبادرته دون أخذ دور الرئيس وموقعه في الحسبان، تلتها تلك النصيحة التي اسداها بري للحريري بأن يصعد الى بعبدا حاملاً تشكيلة حكومية من 24 وزيراً ويقدمها الى عون، الذي سارع لإبلاغ “حزب الله” بأن ما يحصل بمثابة كمين وانه لا يمشي بهذه الطريقة وسوف يذهب حتى النهاية في المواجهة. بات يشعر عون ومعه رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل وكأنهما في مواجهة الرباعي مجدداً وأن “حزب الله” اختار الحريرية السياسية على تحالفه معه. تكاتف الثنائي مع الحريري حوّل المواجهة لتكون مسيحية اسلامية ولو انكر كل الاطراف ذلك. وعلى هذا النحو يتم سياسياً وشعبياً.

رغم انزعاجه من بيان بعبدا الا ان بري عمّم على نواب كتلته ومحازبيه عدم الرد وتوسيع رقعة الخلاف لعدم رغبته بكسر الجرة نهائياً مع العهد، وفي محاولة لإبقاء الخطوط مفتوحة للبحث عن مخارج. لكن هذه المرونة لا تمنع الانطباع من ان البلد صار منقسماً الى جبهتين، فيلتقي الجميع على جبهة في مواجهة عون الذي يعتبره البعض انه لا يزال يعيش في زمن الثمانينات لم يتغير وينوي السير بالمواجهة ولو على حساب البلد، بينما يعتبر عون ان الطبقة السياسية ذاتها تصطف ضده وينوي الذهاب بالمواجهة الى آخرها. عون الذي استقبل الدكتور عبد الرحمن البزري مؤخراً ينوي استمزاج رأي الشخصيات السنية حول الوضع الراهن في وقت صار من رابع المستحيلات تلاقيه مع الحريري او تشكيل حكومة بتوافقهما معاً. في المقابل فان من التقى الحريري خلال الساعات الماضية لمس منه مجدداً نيته الجدية بالاعتذار شارحاً تفاصيل القرار وأبعاده.

وخلافاً لكل التحليلات التي رافقت البيان استغربت مصادر القصر الجمهوري الحديث عن بيان تصعيدي او انه محاولة للرد على مبادرة بري، ورأت ان رئيس الجمهورية انما اكد مواقفه السابقة خاصة التصريحات التي تجاهلت في الآونة الاخيرة دور رئاسة الجمهورية بموضوع تشكيل الحكومة، لتقول ان عون اعاد تأكيد المؤكد من ان تشكيل الحكومة انما يتم بالاتفاق بينه وبين الحريري وفقاً لما ينص عليه الدستور. واعتبرت ان اي مبادرات اخرى يجب ان تأخذ في الاعتبار نص الدستور لا ان يتم تجاوزه وكأن عون ليس موجوداً. وتابعت ان اية جهة تطرح اقتراحات يفترض بها ان تكون محايدة وليست مع طرف ضد طرف آخر، وطالما ان الجميع يقف الى جانب الرئيس المكلف فالأجدى مساعدته في اخراج تشكيلته الحكومية لتعيد التأكيد ان الهدف من البيان ليس النيل من مبادرة بري، بل لوضع النقاط على الحروف وإعادة التأكيد على مبدأ الشراكة. لتختم بالقول ان رئيس الجمهورية لا يزال ينتظر زيارة الرئيس المكلف مستغربة تلك المواقف والردود التي لا تزيد الأوضاع الا تعقيداً.

مواقف تؤكد المؤكد على برودة العلاقة بين الرئاستين وليس معلوماً بعد الذي شهدته الساعات الماضية من اين ستنطلق المساعي مجدداً، ولم يعد في الساحة الا خليل واحد يمكنه تدوير الزوايا وهو المعاون السياسي في “حزب الله” الحاج حسين الخليل بعدما ساءت علاقة باسيل وعلي حسن خليل، فمن اين له ان يبدأ وكيف له ان يطوف بين بيت الوسط وبعبدا وعين التينة والبياضة وسهام الجميع أشبعته انتقاداً، لكونه لم يحسن ادارة لعبة الحكومة كما يجب.

فهل نشهد عوداً على بدء الوساطات أم يعتذر الحريري وهو الخيار الأرجح؟