مبادرة بري في خطر… حسابات باسيل والحريري الشخصية تعرقل الحكومة

نبيه بري

كتبت “نور نعمة” في صحيفة “الديار”:

تستباح كرامة المواطن اللبناني اذلالا امام محطات الوقود وتأمين المياه والكهرباء فضلا عن تحليق الدولار الى 15000 الف ليرة في السوق السوداء وفقدان الادوية في الصيدليات والبطالة والهجرة التي تشكل نزيفا ديمغرافيا قد يصعب تعويضه في حين يستمر الخلاف بين العهد ورئيس التيار الوطني الحر من جهة وبين الرئيس المكلف سعد الحريري من جهة اخرى الامر الذي يحبط اي مسعى لتاليف الحكومة. ذلك انه في وقت تدور حرب كلام وتراشق اتهامات وشائعات بين الحريري والعهد وكل طرف يحمل الاخر مسؤولية التعطيل، يعيش اللبناني حربا اقتصادية واجتماعية ومعيشية ونفسية تحطم اي بارقة امل باقية في قلوب اللبنانيين. فالشعب اللبناني يعتبر ان الحل للازمة اللبنانية على كل الاصعدة بعيد وسيكون على حسابه لان السلطة الحالية قطعت الشك باليقين بانها عدوة لناسها ولا تكترث لمعاناة مواطنيها.

وفي هذا الاطار، صحيح ان مصرف لبنان وقع على الاعتمادات وهذا سيؤدي الى تفريغ البواخر لمادتي البنزين والمازوت ما سيؤمن هاتين المادتين لاسبوعين وبالتالي سيريح ذلك المواطن جزئيا ومؤقتا. ولكن لاحقا الن تتجدد ازمة المحروقات ومعها ازمات اخرى؟ من هنا، السؤال الذي يطرح نفسه:هل هو قدر اللبناني ان يعيش دائما الويلات والعذاب والقهر؟ الا يكفي اللبناني المآسي التي عاشها في الحرب الاهلية الدموية ليعود اليوم ويواجه ازمة اجتماعية ومعيشية ترهق كاهله وتذله وتشرده من وطنه؟ هل مصير اللبناني ان يعيش حربا تلو الاخرى ولا يعرف الاستقرار والازدهار والطمأنينة في بلده؟

وامام هذه الحالة المزرية، نفذت مجموعة من اللبنانيين بمن فيهم شخصيات من المجتمع المدني اعتصاما امام وزارة الصحة لمناشدة الامم المتحدة لمساعدة لبنان في الازمة الصحية المستفحلة بعد ان اعلنت الصيدليات اضرابا ليومين لرفع الصوت بهدف تأمين مستلزماتها. ودعا النائب شامل روكز ايضا الامم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية الى مساعدة اللبنانيين في الازمة الصحية التي يعاني منها والتي تحولت الى مأساة وكارثة صحية.

فرنسا حريصة على الجيش وتسعى لتجنيب لبنان الفوضى الخطيرة

في غضون ذلك، تحشد فرنسا لاجتماع دولي في 17 حزيران لدعم للجيش اللبناني من اجل الحفاظ على هذه المؤسسة العسكرية بغية ابقائها متماسكة وقادرة على الصمود في ظل الازمة المالية والاقتصادية والكيانية التي تعصف بالدولة اللبنانية. وهذه الخطوة تؤكد ان فرنسا والمجتمع الدولي حريصين على ان لا يغرق لبنان في فوضى خطيرة ولذلك تولي فرنسا اولوية في الحفاظ على الجيش اللبناني وباقي المؤسسات الامنية بعد تعثر المساعي مع الطبقة السياسية المعنية بتشكيل حكومة لترسيخ الاستقرار السياسي وتحقيق الاصلاحات المطلوبة لانقاذ لبنان. اضف الى ذلك لا يريد المجتمع الاوروبي ان يواجه ازمة نازحين لبنانيين وسوريين جديدة وايضا من اجل ان لا تؤثر الفوضى في لبنان على مسار المفاوضات مع ايران حول برنامجها النووي. وباختصار، هناك ارادة اوروبية وفرنسية في الطليعة على ابقاء الاستقرار اللبناني قائما وبمعنى اخر ترى فرنسا انه في حال سقطت المؤسسة العسكرية فسيسقط لبنان حتما اما عندما تكون المؤسسات العسكرية قادرة على تأمين احتياجاتها فسيبقى لبنان متماسكا.

ولفتت مصادر سياسية للديار ان المجتمع الدولي يحاول تأجيل سقوط لبنان عبر مساعدات للمؤسسات غير الحكومية من اجل ان يبقى المجتمع اللبناني صامدا قدر المستطاع بانتظار ان تكون قد انجلت الظروف الاقليمية والدولية على مستوى المفاوضات الايرانية-الاميركية او عبر توصل الى تسوية لبنانية داخلية. وفي هذا الصدد، كشفت هذه المصادر ان المجتمع الدولي ذهب الى المكان الذي يستطيع توفير المساعدة من اجل شراء الوقت.

مبادرة بري في خطر

بالعودة الى الداخل اللبناني، بات واضحا حتى اللحظة ان مبادرة الثنائي الشيعي التي وضعت كل ثقلها هذه المرة في تشكيل الحكومة لم تنجح بسبب النكد السياسي الشخصي الحاصل بين الحريري وباسيل وبالتالي هذا ليس بأمر عابر ويستحق التوقف عنده. فاللقاءات المكوكية التي حصلت من قبل الخليلين ومسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا بين بيت الوسط والبياضة لم تأت بالنتيجة المطلوبة وهذا يدل الى ان الطرفين لا يريدان للحكومة ان تتألف. وتكشف اوساط نيابية في 8 آذار لـ «الديار» ان الكباش بين الرئيس المكلف سعد الحريري ورئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ليس على الحصص والحقائب وحتى نوعية الحقائب وكيفية توزيعها وتسمية الوزيرين المسيحيين فقط بل هي ازمة حكم وحكومة.

وتشير الى ان رئيس مجلس النواب نبيه بري وفق ما ينقل عنه زواره لن ينعى مبادرته ولن يترك البلد في حالة فراغ سياسي وحكومي بل يصر على إعطاء امل بالتأليف.

ولكن الاوساط تؤكد بأسف اننا سنبقى في الدوامة نفسها ولا تقدم قيد انملة في المساعي ولا يزال كل من الحريري وباسيل عند شروطهما والواضح ان الطرفين لا يريدان تشكيل الحكومة وكل لديه حساباته.

فمن جهة باسيل يخوض معركة رئاسة الجمهورية و «مرتاح على وضعو» كما ينقل عنه زواره بينما الحريري يرفض ان يتصدى بصدره الحكومي «العاري» لاكبر مازق في لبنان مالي واقتصادي واجتماعي وليس ممسكاً بالحكومة التي سيكون قرارها بشكل مباشر او غير مباشر بيد جبران باسيل.

وتلمح الاوساط الى ان اجواء الحريري سلبية للغاية ويتردد في اوساطه العودة الى طرح الاعتذار وترك المهمة لغيره وهو لا يريد ان يكون رافعة لـ «مغامرات» جبران باسيل الرئاسية والسياسية والانتحارية.

وتقول ان اعتذار الحريري سيعيد البلد الى دوامة اختيار بديل سيسميه الحريري وقد لا يسمي في نهاية المطاف او قد يسمي نواف سلام لإرضاء السعودية واحراج «الثنائي الشيعي» والذي سيرفضه.

وتلمح الاوساط الى ان حركة النائب فيصل كرامي لافتة ولقائه بالسفيرين السعودي والاميركي يوحي كأن هناك من «اوحى» له في ملف الترشح لتأليف الحكومة ولكن هذا الامر لا يزال في محط التكهنات.

حزب الله للديار: لا نستخدم الضغط على حلفائنا وغير حلفائنا لانه ليس اسلوبنا

من جهتها، اكدت مصادر مقربة من حزب الله للديار ان الاتصالات لا تزال مستمرة في ملف تشكيل الحكومة وهذا يعني ان مبادرة بري لا تزال سارية كاشفة الى انه تم اجراء هيكلة عامة للحكومة عبر توزيع الحقائب على الطوائف والكتل السياسية انما العقد التي تمنع ولادة الحكومة لم تحل حتى اللحظة. ولفتت المصادر انه تم انجاز 90% من الهيكلة للحكومة في اللقاء الثاني بين الوزير باسيل والخليلين مشيرة الى ان لقاء ثالثا سيعقد ايضا بينهما في اليومين المقبلين.

وقالت المصادر ان حزب الله وسائر الافرقاء حريصون على ان يكون للبنان حكومة ولكن الشروط المتشددة المتبادلة بين الحريري وبين العهد والتيار الوطني الحر يعرقلان مسار التأليف علما ان حزب الله طالب علنا من الطرفين تقديم التنازلات من اجل مصلحة الشعب اللبناني.

وتابعت المصادر المقربة من حزب الله انه طالما ان الحريري هو الرئيس المكلف وطالما ان مبادرة بري مستمرة سندعم هذا التوجه اما من يطالب حزب الله بممارسة الضغط على حلفائه او اخصامه في السياسة من اجل تشكيل حكومة فبرأي المقاومة ان هذه الامور تدعو الى ممارسة الحكمة والتعقل داعية باقي الافرقاء الى الاحتذاء بالمثل.

وشددت ان حزب الله لا يستخدم وسيلة الضغط مع حلفائه وحتى مع غير حلفائه لاقناعهم بتشكيل حكومة او في اي مسألة اخرى لانه ليس اسلوبه. وتأكيدا على ذلك، قالت المصادر انه في وقت سابق اعلن حزب الله انه لا يريد ولا يسعى لتغييب اي فريق سياسي ولكن القوات لم تشارك في مسار تأليف الحكومة. وفي النطاق ذاته، دعا حزب الله الرئيس سعد الحريري الى عدم الاستقالة فور حصول ثورة 17 تشرين الاول 2019 قبل تشكيل حكومة بديلة انما الحريري لم يتجاوب. ولفتت ايضا ان المقاومة طلبت من حكومة حسان دياب التريث قبل الاستقالة بهدف تأمين حكومة تحل مكانها ولكن هذا الامر لم يحصل.

وانطلاقا من ذلك، اعتبرت المصادر المقربة من حزب الله ان الاخير اذا مارس الضغط بهدف تشكيل الحكومة سيقال انها حكومة حزب الله واذا تعرضت هذه الحكومة لعقوبات سيقال حدث ذلك نتيجة تدخل حزب الله وضغطه لتشكيل الحكومة علما ان حزب الله يشدد ان الضغط ليس اسلوبه.

هل تشكل القوات معارضة بناءة؟

الى ذلك, قالت مصادر مطلعة للديار ان القوات اللبنانية تتمسك باجراء انتخابات نيابية مبكرة لانها ترى التغيير واعادة انتاج السلطة يكمن فقط بزيادة عدد نوابها في البرلمان اللبناني. واشارت الى ان القوات لو كانت تريد حلا فعليا ينقذ لبنان لكانت شاركت في ايجاد حل لمعضلة الحكومة ذلك ان اتخاذها موقع المعارضة في زمن الانهيار الذي يشهده لبنان يضر بالوطن اكثر مما ينفع.

القوات اللبنانية: لن نشارك في اي حل مع فريق سياسي لا يضع الناس اولوية

بدورها، اكدت مصادر القوات اللبنانية ان مطالبتها بانتخابات نيابية مبكرة لا ينطلق من زيادة عدد نوابها علما ان هذا حقها بل من باب انقاذ لبنان وبعد وطني عام لان الانتخابات وسيلة ديمقراطية موجودة في كل الدول الديمقراطية حيث يتم اللجوء اليها عند الوصول الى انسداد سياسي مطلق وكامل. وتابعت ان مفاوضات تاليف الحكومة متعثرة والازمة المالية تتفاقم والشعب اللبناني متروك وهو في حالة ذل بطوابير سياراته في كل الامكنة ولذلك اشارت المصادر القواتية انها تتمسك بطرحها للانتخابات النيابية المبكرة اكثر من اي وقت مضى لانها تريد الحل للبنان. وردا على سؤال حول عدم مشاركة القوات اللبنانية في حل عقدة الوزيرين المتبقية، اعتبرت المصادر القواتية ان ليس العقدة في الوزارتين بما ان رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل يقول علنا انه لن يمنح الثقة للحكومة المرتقبة ويميز نفسه عن العهد في هذا السياق، علما انه حزب العهد وبالتالي كل هذا الكلام يدل على انه لا يوجد نية لتشكيل حكومة. واضافت المصادر انه بمعزل عن ذلك، تتطلع القوات الى الانقاذ الذي من المستحيل ان يتحقق في ظل هذا الفريق السياسي وعليه لن تشارك القوات في حل مع هذا الفريق بما ان الاخير لا يولي الاولوية للناس وهذا واضح عبر عدم التوصل الى حكومة.

وحملت القوات اللبنانية كل الافرقاء والاحزاب السياسية التي ترفض الانتخابات النيابية المبكرة مسؤولية امام الله والشعب اللبناني بعدم انقاذه من هذا الفراغ ومن هذا الواقع المزري.