الأسوأ لم يأتِ بعد!

تظاهرة لبنان

كتبت “باميلا كشكوريان السمراني” في صحيفة “الديار”:

أزمات متتالية يمرّ بها لبنان لعلّ أسوأها انهيار العملة الوطنية وفقداتها لأكثر من 85 % من قيمتها، ما ينذر بانهيار شامل قد ينتج منه ما لا تُحمد عقباه. فما هي أسباب هذه الأزمة؟ وما هي مفاتيح الحل؟

أيام صعبة جدا يعيشها لبنان، يئنّ فيها الشعب تحت وطأة أزمة اقتصادية هي الأسوأ في تاريخه، حيث تتزامن مع انسداد سياسي تسبب بعدم تشكيل حكومة مستقرة حتى اليوم، ما يعرقل الكثير من الخدمات المقدمة للمواطنين ويدفع بالبلاد إلى شفير الهاوية.

وأسوأ انعكاسات الأزمة هو الانهيار المستمرّ للّيرة اللّبنانية مقابل الدولار، حتى وصل سعر الدولار في السوق السوداء الى نحو 13ألف ليرة وخسارة العملة الوطنية لأكثر من 85 % من قيمتها، ما تسبب بوقوع الكثير من الاشتباكات بين المواطنين والعاملين في المتاجر والأسواق بسبب التدافع لشراء السّلع المدعومة من الدولة والخلاف على أسعار السلع التي تضاعفت بشكل جنوني مع انهيار القدرة الشرائية للمواطنين، وإعلان الحكومة التوقّف عن سداد الديون الخارجية وإغلاق البنوك أمام العملاء من حين إلى آخر وتشديد القيود على عمليات سحب العملات الأجنبية، شدة الأزمة وانعاكساتها على حياة المواطنين.

وعبثاً حاولت الحكومة احتواء الوضع عبر تدابير مختلفة، كدعم سلع استهلاكية وملاحقة المتاجرين بالعملة. لكن تدهور الليرة شكل ضربة قاصمة للجهود والنزيف مرشح للاستمرار. فمن شأن نفاد احتياطي المصرف المركزي من الدولار الذي يُستخدم بشكل رئيسي لدعم استيراد القمح والمحروقات والأدوية، أن يجعل الدولة عاجزة عن توفير أبسط الخدمات.

ويؤخذ على مصرف لبنان المركزي استمراره في طبع العملة ما يفاقم، التضخم المفرط أساساً، عوضاً عن اتخاذ إجراءات حاسمة للجم التدهور وإعادة بناء ثقة المودعين بالمصارف وجذب الأموال من الخارج وتوحيد سعر الصرف، حسب رأي المراقبين للأزمة اللبنانية.

أسباب أربعة للأزمة

تقول الدكتورة هدى خليل، أستاذة العلاقات الدّولية بالجامعة اللّبنانية لـ«الديار»، ان «هناك أكثر من عامل وراء الأزمة الاقتصاديّة في لبنان:

– أولا: السياسات الاقتصادية التي كرّستها الحكومات في التسعينات من القرن الماضي عندما وضعت سياسة نقدية ريعية تعطي مجالاً للخدمات على حساب الاقتصاد المنتج»، وتضيف أن «هذه السياسة كان من المنتظر أن تصل إلى مرحلة يفلس فيها الشعب اللبناني وتفلس مؤسساته، لأن الاقتصاد لا يمكن أن يقوم على الريع دون إنتاج فعلي.

– ثانيا: هو الفساد والنهب المنظم لخزينة الدولة الّلبنانية، فهناك تقارير تشير إلى نهب حوالى 52 مليار دولار من خزينة الدولة لا يُعرف كيف صُرفت ولا أين تبددت! والمطلوب حالياً من التدقيق الجنائي أن يتابع مسار تلك الأموال المنهوبة، فهناك طبقة سياسية مارست نهباً منظماً لخزينة الدولة على مدى 30 عاماً لا تريد لهذا التدقيق الجنائي أن يحصل، وبالتالي هي تتلاعب بسعر الدولار وبمصير الشعب لكي تغطي على فسادها، ولكي تكرر ما فعلته هذه الطبقة السياسية نفسها التي شاركت في الاقتتال الأهلي في البلاد، وفي نهاية الأمر تريد اليوم الوصول الى الحصول على عفو عام عن الجرائم المالية التي وقعت في لبنان منذ التسعينات وحتى اليوم».

ثالثا: التهريب وخصوصاً الدولار والمواد الغذائية المدعومة الى الخارج، إضافة إلى جشع التجار.

الرابع: خارجي، فلا شك أن ضغط السياسات الخارجية على حلفائها اللّبنانيين أدّى الى الضغط على الاقتصاد اللبناني ونظامه المصرفي، ما أدى إلى وقف التحويلات الخارجية وأدى الى عدم التعامل مع القطاع المصرفي اللبناني بشكل مريح».

الأسوأ لم يأت بعد؟

وبحسب تقرير نشره «مرصد الأزمة» في الجامعة الأميركية في لبنان، فإن الأسوأ لم يأت بعد، وإن البلاد على شفير انهيار شامل لن يقتصر على الاقتصاد وحده. ويشير التقرير الى أن السبب الرئيسي للأزمة هو عدم وجود سياسة متكاملة لمواجهة الأزمة الاقتصادية، الى جانب غياب الإرادة السياسية الحقيقية للحل والمواجهة.

لكن الخبير الإقتصادي الدكتور جمال عيسى، يشرح لـ «الديار» أنه من غير الممكن التنبؤ بما يمكن أن يكون عليه الوضع في لبنان. ويضيف أنه «بات المجال مفتوحاً لجميع الاحتمالات، فالطبقة السياسية ما زالت تتلاعب بمصير الشعب والبلاد وهي غير مستعدة لتقديم أي تنازلات لكي نلمس تحسنا ًفي الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي أصبح ضاغطا على اللبنانيين ويهدد بانفجار شامل، ويوحي أداء القوى السياسية أنّها منفصلة عن الواقع، رغم ضغوط دولية قادتها فرنسا خصوصاً لتشكيل حكومة. ويصطدم تشكيل الحكومة الجديدة بشروط وشروط مضادة واتهامات متبادلة بالتعطيل بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري منذ 22 تشرين الأول»!

مفاتيح الحل

ويرى خبراء ومحللون أن كافة الفرقاء في لبنان، بل وفي المنطقة، ينتظرون لحظة جلوس الرئيس الأميركي جو بايدن مع الإيرانيين على طاولة المفاوضات،  وحتى تحين تلك اللحظة، يقوم الكل بجمع أوراقه ليضعها على الطاولة حين يأتي هذا الوقت، ويشير الخبراء الى أنّ مفتاح الحل هو بداية التسوية الإقليمية التي ستنسحب على لبنان، وبعدها يجب أن تكون هناك ضغوط دولية، كما يفعل اليوم صندوق النقد الدولي والدول المانحة للقيام بالإصلاحات، وأيضاً يجب وجود ضغوط على السلطة السياسية لإقرار التدقيق الجنائي، وإلا سيكون هناك نوع من الهدنة بين اللبنانيين أشبه بسياسة الترقيع، تمهّد لانفجار فيما بعد طالما لم يوجد حل مستدام يؤدي إلى انفراج حقيقي في لبنان.

يجتمع اللّبنانيون على المصيبة التي وحدّتهم ونكّلت بتفاصيل معيشتهم، ويعودون ليفترقوا كي يأخذ كلّ منهم مكانه في صفّ الحزب أو الجهة التي ينتمي إليها… هل مصيرنا أن تتلاعب السياسة بمستقبل بلد وبمجاعة شعب وبتبعية تخطّت حدود الكرامة لتصل لحدّ انهيار العملة وشلّ البلد بأكمله؟