حكومة إنتخابات لا إصلاحات؟

السراي الحكومي - الحكومة اللبنانية

كتب “طارق ترشيشي” في صحيفة “الجمهورية”:

لا مبالغة في القول انّ المنطقة بعد حرب غزة الاخيرة ستكون غير ما قبلها، وكذلك الامر بالنسبة الى لبنان الذي يقف امام احتمالات خطرة، بعدما دخل منذ ايام في سنة الاستحقاقات الحساسة والمصيرية، على وقع انهيار اقتصادي ومالي ومعيشي غير مسبوق، لم تؤلف الحكومة التي تستطيع ان تعالجه، او توقفه على الاقل، تمهيداً لتأمين المعالجة الناجعة له…

قبل تلك الحرب كانت هناك توقعات وسيناريوهات حول احتمال نشوب حرب جديدة على حدود لبنان الجنوبية بين «حزب الله» واسرائيل، ربما تتوسع لتصل الى جبهة الجولان السوري المحتل، وكذلك كانت هناك مخاوف من نشوب هذه الحرب تحت جنح المناورات التي إعتبرت الاكبر في تاريخ اسرائيل، والتي بدأت عشية حرب غزة على ان تمتد لشهر، وهي مناورات أُريد لها ان تحاكي حرباً محتملة على كل الجبهات الشرقية والجنوبية والشمالية ضد «حزب الله» في لبنان وضد الفصائل الفلسطينية في غزة (حركتا «حماس» و»الجهاد الاسلامي» وغيرهما) وضدّ سوريا، ولكن جاءت حرب غزة لتجبر اسرائيل على الغاء هذه المناورات ولو تحت عنوان «التأجيل».

المتابعون لما جرى يؤكّدون انّ حرب غزة الجديدة، والتي انتهت بهزيمة اسرائيلية مزدوجة: هزيمة سياسية تمثلت بسقوط «صفقة القرن» وعودة «حل الدولتين»، وهزيمة عسكرية تمثلت في عدم قدرة قوات الاحتلال الاسرائيلي على اجتياح غزة، رغم كل ما ألحقته بها من دمار وخراب في الارواح والممتلكات، هذه الحرب أوقفت كل المشاريع والسيناريوهات العسكرية الاسرائيلية، وربما الغربية، التي كانت مقررة او محتملة او متوقعة على الجبهة الممتدة من ايران الى لبنان مروراً بالعراق وسوريا، وفتحت الابواب امام حلول وتسويات ربما كانت اسرائيل تريد تخريبها من حربها على غزة، والتي كان هناك احتمال لتوسعها في اتجاه الحدود اللبنانية والسورية، وربما الى ما هو ابعد من هذه الحدود. فمن البديهي، حسب هؤلاء المتابعين، القول انّ اسرائيل لا تريد للمفاوضات السعودية – الايرانية الجارية عبر اقنية متعددة عربية وربما غير عربية ايضاً، ان تنجح في ارساء سلام ووئام، اقلّه بين دول مجلس التعاون الخليجي وايران. واسرائيل ايضاً لا تريد نجاح المفاوضات الاميركية ـ الايرانية الجارية في فيينا وغير فيينا، وهي مفاوضات مرجح بقوة ان تنتهي باتفاق جديد بين الجانبين، تعود بموجبه الولايات المتحدة الاميركية الى الاتفاق النووي الذي كانت خرجت منه ايام الرئيس السابق دونالد ترامب، وترفع العقوبات الاميركية والدولية المفروضة على ايران، بما يعيد لها حيويتها الاقتصادية. والجميع يعرف طموح اسرائيل المعلن والمضمر الهادف الى تدمير المنشآت النووية الايرانية، ولا تريد لطهران ان تمتلك التكنولوجيا النووية للاغراض السلمية وحتى الاغراض العسكرية، مع العلم انّ الايرانيين يرددون دوماً انّ برنامجهم النووي هو للاغراض السلمية لا العسكرية.

وكذلك لا تريد اسرائيل لحرب اليمن ان تنتهي، خصوصاً بعدما لاحت في الافق، بعد تسلّم الرئيس الاميركي جو بايدن مهماته، مؤشرات الى وجود توجّه عملي اقليمي ودولي لوقف هذه الحرب التي تستنزف الجميع، وبات وقفها ضرورة للجميع، علماً أنّ نجاح المفاوضات السعودية ـ الايرانية الجارية، اذا حصل، فسيساهم بمقدار كبير في اقفال الجبهة اليمنية عسكرياً، وفتح الباب امام حل سياسي يحقق قيامة «اليمن السعيد» مجدّداً الى جانب جيرانه وبقية الدول العربية.

والى ذلك، يبرز التطور المضطرد في الوضع السوري على طريق الخروج نهائياً من الحرب، في موازاة التطور الذي تشهده العلاقات بين دمشق وعواصم دول الخليج العربي، والذي يوحي بعودة العرب الى سوريا وعودة سوريا الى العرب، وذلك في ضوء اللقاء السعودي ـ السوري الاخير وما اعقبه من حديث عن توجّه الرياض الى معاودة فتح سفارتها في دمشق قريباً. وتجدر الاشارة هنا، الى أنّ دولة الامارات العربية المتحدة كانت عاودت افتتاح سفارتها في العاصمة السورية قبل نحو سنتين تقريباً.

على انّ كل هذه التطورات لا بدّ من ان تنعكس على لبنان، خصوصاً اذا وصلت الى خواتيمها الايجابية لجهة فتح الابواب لتسوية الازمات القائمة في المنطقة، ولكن الملاحظ حتى الآن انّ غالبية المرجعيات الرسمية والقوى السياسية اللبنانية لم تبد اي تفاعل ايجابي مع تلك التطورات، بدليل انّ ازمة تأليف الحكومة لا تزال عصية على الحل، خصوصاً في ضوء تأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري المتكرّر، ومعه آخرين، من انّ العقدة او العِقد التي تمنع ولادة الحكومة هي داخلية ولا علاقة للخارج بها.

وقد كان المعوّل ان تؤدي رسالة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى مجلس النواب الذي ناقشها وابدى موقفاً في شأنها، الى حضّ رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف سعد الحريري الاتفاق على تأليف الحكومة العتيدة. إلّا انّ هذا الموقف لم يغيّر ما في نفوس المعنيين بالتأليف. فما ان انتهت مناقشة الرسالة الرئاسية حتى غادر الحريري عائداً الى ابو ظبي، التي كان قطع زيارته لها ليحضر تلك الجلسة، ليقرأ «مضبطة» شروطه في شأن الحكومة التي يريد تأليفها، ثم يغادر الى حيث أتى، فيما تصرف رئيس الجمهورية بعد الجلسة وكأنّه دفع عنه الاتهام الموجّه اليه بأنّه هو من يعوق التأليف، نتيجة ما يطرحه من شروط، وما ينبغي ان تكون عليه مساحة مشاركته وصلاحيته الدستورية في تأليف الحكومة بموجب المادة 53 من الدستور، وهي صلاحية يعتبرها الحريري شكلية، لأنّ الصلاحية الدستورية الاولى في التأليف هي للرئيس المكلّف، حيث انّ هذه المادة تلزمه في الفقرة الرابعة منها بأن «يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء او إقالتهم». فالحريري يرى انّ هذه الفقرة تلزم رئيس الجمهورية بأن يتفق مع الرئيس المكلّف على التشكيلة الوزارية لا العكس، في اعتبار انّ الفقرة 2 من المادة 64 من الدستور تقول انّ رئيس مجلس الوزراء «يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها».

وكون الدستور يقول في المادة 64 نفسها انّ «رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة يمثلها ويتكلم بإسمها، ويُعتبر مسؤولاً عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء»، فإن الاتفاق على تأليف هذا الفريق بينه وبين رئيس الجمهورية هو اتفاق يتوخّى اتمام الشروط الدستورية للتأليف، في اعتبار انّ مجلس النواب يحاسب الحكومة ورئيسها في حال فشلها، ولا يحاسب رئيس الجمهورية الذي يرأس جلسات مجلس الوزراء عندما يشاء، من دون ان يكون له حق التصويت على القرارات التي تتخذها، وبالتالي لا يكون مسؤولًا ازاء هذه القرارات سواء نُفذت او لم تُنفذ، ما يعني انّ رئيس مجلس الوزراء هو رئيس السلطة التنفيذية فعلياً، وهو يتحمّل تبعات هذه المسؤولية امام مجلس النواب وتالياً امام الشعب اللبناني.

في اي حال، ثمة فرصة قليلة لا تزال متوافرة للتوافق على تأليف حكومة الاصلاحات والانتخابات، خصوصاً بعد ان دخلت البلاد في مدار الانتخابات النيابية وحملاتها، وثمة من يخشى ان تدخل البلاد في طور تأليف حكومة انتخابات، تكون مخرجاً من التأليف العقيم لحكومة الاصلاحات الانقاذية الموعودة، بحيث يُعهد برئاستها الى شخصية مستقلة لا تترشح والوزراء للإنتخابات، وطبعا فإنّ تأليف حكومة من هذا النوع يفرض اعتذار الحريري عن التأليف، فهل يمكن الرجل ان يعتذر ويذهب الى خوض معركته الانتخابية؟

وتالياً، هل البلاد بالانهيار الذي تعيشه على كل المستويات تتحمّل حكومة انتخابات تهمل الإصلاحات؟

تلك هي المسألة….