سبعة وعشرون مليارا مجهولة المصير وتنتظر تحرّكا رسميا

السوبرماركت

جاء في صحيفة “الديار”: سبعة وعشرون مليار دولار مجهولة المصير في حسابات الدولة اللبنانية! هذا ما وصل إليه تقرير ديوان المحاسبة عن قطوعات الحساب للدولة اللبنانية على مدى عقدين. هذه الأموال المصروفة من دون مستندات ثبوتية تطرح السؤال عن الحوكمة المالية للدولة اللبنانية ولكن أيضًا عن أسباب عدم تحويل هذا الملفّ الكبير إلى القضاء خصوصًا في ظل الأزمة المالية والإقتصادية والنقدية التي تعصف بلبنان.

غريب هذا الصمّت المُدّوي من قبل السلطة السياسية حول موضوع تقرير ديوان المحاسبة حول إختفاء 27 مليار دولار أميركي من حسابات الدوّلة اللبنانية على مرّ السنين. هذا الصمّت يطرح العديد من الأسئلة عن الأسباب الكامنة خلف التخّلي عن ملاحقة أثار هذه الأموال في وقت أصبح لبنان بحاجة إلى الأموال لتأمين قوت أبنائه.

بين الإبراء المُستحيل الذي يتهمّ رئيس حكومة سابق بإختلاس 11 مليار دولار أميركي، وتقرير ديوان المُحاسبة عن إختفاء 27 مليار دولار أميركي من حسابات الدولة، مرورًا بـ 9300 مليار ليرة تمّ إنفاقها بإعتمادات من خارج الموازنة، وأكثر من 40 مليار دولار أميركي في وزارة الطاقة، يجد اللبناني أن هناك تجاهلا مقصودا من قبل الطبقة السياسية. فالمعنيون بهذه الأموال المخفّية ينتمون إلى عدّة أطراف سياسية والمنطق ينصّ على أن السكوت على هذا الأمر يعني أن هناك إنغماسا من قبلها في هذه الملفات وبالتالي لا إرادة لفتحها بل الأفضل التوجّه إلى مكان أو فريق لا ينتمي لطرف سياسي (مثل مصرف لبنان وحاكمه) لتحميله كل الكوارث التي تحصل!

من الضروري التذكير أن الدوّلة اللبنانية عليها دين عام يوازي 96 مليار دولار أميركي بالإضافة إلى 15.6 مليار دولار أميركي (تسهيلات من قبل مصرف لبنان لوزارة المال) منها 57 مليار دولار أميركي بالعمّلة الصعبة والباقي بالليرة اللبنانية (على سعر 1500 ليرة للدولار الواحد).

وبالنظر إلى دينامية إستهلاك الدولارات من قبل الدوّلة اللبنانية، نرى أن الدوّلة إستهلكت قسما كبيرا من الدولار على الكهرباء بالدرجة الأولى (أكثر من 40 مليار دولار أميركي)، إستيراد الخدمات والسلع (مشاريع، سيارات، بنزين…)، دفع الإيجارات للبعثات الديبلوماسية وأجور السلك الديبلوماسي. أمّا إستهلاك الليرة اللبنانية، فشمل كل ما هو أجور للقطاع العام والأمور التشغيلية، وغيرها.

السؤال إذن، أين إختفت الدولارات التي تمّ تزويد الدوّلة بها، سواء بقروض أو سندات خزينة أو تسهيلات؟ الإحتمالات المطّروحة عديدة ويبقى الفساد على رأسها نظرًا إلى أن كل الخدمات العامّة (بدون إستثناء) هي الأسوأ في العالم وبالتالي لا يُعقل أن يكون تمّ صرف 111 مليار دولار أميركي لتحسين الخدمات العامّة وتأمين بنى تحتية بالحدّ الأدنى (يكفي النظر إلى الكهرباء والطرقات!). الإحتمال الثاني ممُكن أن يكون عدم كفاءة المسؤولين وبالتالي هذا يعني أن القوى السياسية التي كان لها كلمتها في الحوكمة المالية للدولة اللبنانية غير كفؤة ويجب أن تتنحى لصالح أشخاص كفؤين!

وهنا يُطرح السؤال الأساسي عن دور القضاء الذي وعلى الرغم من أن ديوان المُحاسبة (جسم قضائي) هو من كشف عملية إختفاء الـ 27 مليار دولار أميركي، لا نرى أن القضاء تحرّك وهذا يطرح السؤال عن سطوة السياسيين على القضاء والتي حرّكت دعاوى في شكوك (غير مثبتة) حول مصرف لبنان ومنعت التحرّك ضدّ ملف العصر والذي يطال ملفات مثل إختفاء الـ 27 مليار دولار أميركي (عملة مُثبتة بالمستندات) وأكثر من 40 مليار دولار أميركي تمّ صرفها على قطاع الكهرباء من دون التحقيق في كيفية صرف هذه الأموال!

لا نقول هذا للتهجّم على القضاء، لا بل على العكس نقول هذا لتشجيع القضاة النزيهين والحرّين لفتح هذه الملفات إذ لا يُعقل السكوت عن هذه الفضائح في وقت يحتاج المواطن اللبناني للقرش لكي يؤمّن لقمة عيشه.

الأمن الغذائي للمواطن مُهدّد بالفساد المُستشري الذي حمّل الدولة دينا يفوق الـ 111 مليار دولار أميركي وعمد بعد وقف دفع إستحقاقات اليوروبوندز وتفجير مرفأ بيروت إلى وضع اليدّ على دولارات المودعين عبر بدعة دعم بهدف شفط أموال المودعين. والأصعب أن بعض المسؤولين يرون أن إستمرار الدعم بالطريقة نفسها هو ضروري حتى ولو تمّ إستنزاف كل الإحتياطي الإلزامي (أي أموال المودعين) وحتى ذهب لبنان! كل هذا بهدف خدمة طبقة أوليغارشية تستميت في الإستمرار بالسلطة بهدف تحصيل الثروات إلى أقصى الحدود!

عمليًا تسليط الضوء على مصرف لبنان على أنه المرتكب الأول (بغض النظر إذا ما كان هذا الأمر صحيحًا أو لا) يهدف بالدرجة الأولى إلى التعتيم عن الإرتكابات التي قامت بها السلّطة والمُثبتة بالمستندات سواء في حسابات الدوّلة (ديوان المحاسبة) أو في الوزارات مثل بعض الوزارات والمؤسسات. على هذا الصعيد، يستوجب التذكير بأن الوزير علي حسن خليل صرّح في إحدى جلسات مجلس الوزراء أن أكثر من 92% من الهبات التي أتت إلى لبنان لم تُسجّل في حسابات الدولة اللبنانية وهو أيضًا أمرٌ مُثبت بالمستندات.

المواطن اللبناني الذي يعيش على وتيرة ارتفاع الأسعار وإذا ما كان سيكون هناك رفع للدعم أو لا، يتمّ إلهاؤه بما يُسمّى التدقيق الجنائي في مصرف لبنان (حصريًا للأسف)، في حين أن عصابات المافيا تُبدع في سرقة المواطن من خلال قوته وحاجاته. مثال محطّات المحروقات هو أكبر مثال على جشع هذه المافيا حيث أنها تُقفل أبوابها قبل كل يوم تسعير معرفة منها أن الأسعار سترتفع في اليوم التالي. والأصعب في الأمر أن وزير الاقتصاد قال للتجّار (بما معناه) يُمكنكم إحتكار المواد حتى يتمّ دعمها من مصرف لبنان! وهذا إن دلّ على شيء يدّل على عجز السلطة الواضح أمام الأحداث التي عصفت بالساحة اللبنانية.

مؤسف ما وصل إليه الوضع في لبنان، وقد أصبح هناك قناعة أكثر فأكثر لدى شريحة واسعة من اللبنانيين أن التغيير على صعيد الحكم أصبح ضرورة نظرًا إلى فظاعة ما تمّ إرتكابه بحق المواطن اللبناني. فهل يتمّ ترجمة هذه القناعة في الانتخابات النيابية المُقبلة؟ أو أن القوى السياسية ستؤجّل الانتخابات ويكون العذر الأمني والصحي جاهزا للإستخدام؟