الوفد الأميركي للشرق الأوسط يسوق اتفاقا نوويا فاشلا

جو بايدن

كتب “علي الصراف” في صحيفة “العرب”:

تحاول الولايات المتحدة إحياء اتفاق مع إيران، لم تُثبت السنوات الماضية سوى أنه اتفاق فاشل.

والمسألة لا تتعلق بالقيود التي يمكن أن تعود لتُفرض على البرنامج النووي الإيراني، وإنما ما كان الاتفاق السابق يعنيه بالنسبة إلى دور إيران في المنطقة.

إيران تستخدم برنامجها النووي لأغراض الابتزاز، من أجل أن تحصل على صفقة تضمن بقاء مشروع الهيمنة والتوسع الذي تفرضه على دول المنطقة. والجهد الأميركي الراهن، مثل الجهد السابق، الذي ينصبّ على البرنامج النووي، إنما يكسب شيئا من إيران، ليقدم لها شيئا أهم وأكثر خطورة بكثير.

هذا هو السبب الذي يجعل دول المنطقة تنظر بعين الشك إلى هذا الجهد. فالولايات المتحدة ليست غبية إلى تلك الدرجة بحيث لا ترى أن إيران تعرض أن تتخلى، جزئيا، عن برنامجها النووي، مقابل أن تفرض هيمنتها على العراق وسوريا واليمن ولبنان، وربما على دول أخرى لاحقا، مثل البحرين، وهي أقرب المرشحين بالنسبة إلى الأطماع الإيرانية.

المباحثات الجارية في فيينا، مثل المباحثات السرية التي جرت في سلطنة عمان نحو العام 2015، ركزت على شيء، وتواطأت على الآخر.

وكل ما قد يحاوله الوفد الأميركي إلى السعودية والإمارات والأردن ومصر والعراق هو أن يستغبينا ببيع اتفاق نووي جديد، لا يضمن تغيير الأوضاع القائمة في الدول التي وقعت ضحية للمشروع الطائفي الإيراني.

الموفدون الأميركيون ربما يقولون لنظرائهم العرب “هذا ليس شغلنا. نحن لا نريد أن تصبح إيران قوة نووية لا يقدر عليها أحد من بعد ذلك”. والرد الصحيح والطبيعي الذي يتعيّن أن يتلقّوه هو أن “إيران النووية، ليست شغلنا أيضا. شغلنا هو ألاّ تتوصلوا إلى اتفاق، مثل الاتفاق السابق، يجعلنا ضحية لمشروع هيمنة أخطر علينا من أيّ سلاح نووي”.

أنظر كيف استخدمت إيران اتفاق العام 2015، وستعرف كيف سوف تستخدم العودة إليه. لقد سمح لها ذلك الاتفاق بأن تتمدد في العراق وسوريا واليمن ولبنان إلى الحد الذي جعل هذه البلدان تطفو فوق بركان من الأزمات والانهيارات والجرائم.

دول منهارة. مفلسة، وتخوض حروبا أهلية ضد أنفسها. هذا هو الدور الإيراني الذي سمح به اتفاق العام 2015. وبالنسبة إلى إيران فإن هذا هو الشيء الطبيعي لتصدير الثورة. فهناك مجتمعات يتعين أن تتفجر، ودول يتعين أن تسقط كمؤسسات، وهويات يتعين أن تتبدل، حتى لا يعود كل مواطن يعرف من هو وإلى ماذا ينتمي.

لا شك أن الحصانات الداخلية الضعيفة تسهم في ذلك، إلا أن أحدا لا يستطيع أن ينكر واقع أن وجود نظام يكرّس نفسه وموارده لتفجير هذه الحصانات، لكي يفرض مشروعه الإيديولوجي (الطائفي)، إنما يعني دفع دول المنطقة إلى أن تكون ضحية حرب لا تنتهي.

هذا هو ما نسميه “نشاطات إيران المزعزعة للاستقرار”. هذه النشاطات مكلفة بالنسبة إلينا. ولقد أودت بحياة مئات الآلاف من البشر، وشردت الملايين، وساهمت في توفير القاعدة الاجتماعية لتفشي الإرهاب. ومن الناحية العملية، فإنها مخاطر أوسع ضررا من أيّ قنبلة نووية قد تملكها إيران.

وهبْ أن إيران حصلت على قنبلة نووية. فان السؤال التالي هو: ماذا بعد؟ هل تخشى الولايات المتحدة أن يأتي مجنون في إيران فيطلق تلك القنبلة على إسرائيل؟

بالرغم من كل دلائل الشك حول هذا الافتراض، على الأقل لأن إسرائيل ما تزال خارج إطار مشروع التمدد، فإن إيران تعرف ماذا يعني اللجوء إلى سلاح نووي. حتى المجنون يعرف، إنه مشروع دمار شامل لإيران نفسها.

التوازن النووي، يقصد في النهاية منع استخدام الأسلحة النووية، وليس التلويح بها كل ربع ساعة. إنه، بمعنى آخر، توازن لحفظ السلام. هذا ما هو حاصل أصلا بين أيّ دولتين تملكان سلاحا نوويا.

أما تجريد إيران من القدرة على إنتاج سلاح نووي، لكي تحافظ على قدرتها على زعزعة الاستقرار، فإنه يعني من الناحية العملية الترخيص لإيران بأن تواصل حروبها وتدخّلاتها في المنطقة.

يمكن للمرء أن يتصور أن هناك قائمة من المنافع الاقتصادية التي تنتظرها الولايات المتحدة، أو الاتحاد الأوروبي، من العودة إلى الاتفاق النووي، إلا أن هذه المنافع لا تكفي لإقناعنا بأن نكون نحن ضحيتها.

إذا كان الوفد الأميركي يتصور أنه، بسبب منافع خاصة بالولايات المتحدة، علينا أن نتحمل نحن التكاليف والعواقب، فهذا تصور غبي، وغير ملائم، ومن المعيب طرحه أصلا.

أذهبوا “إلى حيث ألقت رحلها” أنتم ومصالحكم، ولكن لا تبيعوا على المخاطر، ولا تسوّقوا الكوارث التي عرفناها والتي ستأتي، على أنها شيء نافع بالنسبة إلينا، أو يمكن أن نتعايش معه.

تستطيع الولايات المتحدة أن تعقد أيّ اتفاق مع أيّ أحد لتحقيق أيّ مصلحة أو لارتكاب أيّ جريمة. وهي ليست بحاجة إلى موافقة دول المنطقة. ولكن ذلك يلزم هذه الدول بأن تنظر إلى مصالحها وقضايا أمنها بعين مختلفة لا تأخذ بالاعتبار أن تكون الولايات المتحدة شريكا.

“شريك” في ماذا أصلا، وهي ترى التهديدات التي تتعرض لها السعودية كل يوم؟ “شريك” في ماذا وهي تسحب بطارياتها الدفاعية وقواتها من المنطقة؟ “شريك” في ماذا وهي تكافئ الحوثي على صواريخه وتحدياته لخطط السلام؟

القوى العظمى لا تنسحب من مكان إلا وتترك خلفها فراغا. أليست هذه حقيقة لا تقبل الجدل؟ وككل فراغ، فإنه لا بد وأن يتم ملؤه من طرف آخر.

من سيملأ الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة في العراق؟ هل يوجد أحد لا يعرف أن الولايات المتحدة تنسحب من العراق لصالح إيران؟ هل يحتاج هذا الأمر إلى عبقرية؟ السؤال التالي هو، ما نوع التواطؤ مع طهران الذي سمح لواشنطن أن تفعل ذلك؟

الشيء نفسه، على حجم أوسع، ينطبق على “العودة إلى الاتفاق النووي”. فواشنطن تريد أن تسمح لإيران بالحصول على مئات المليارات من الدولارات، وهي تعرف سلفا ومسبقا أنها سوف توظف هذه الأموال لخدمة مشروعها التخريبي في المنطقة.

لقد أثبتت الشراكة مع الولايات المتحدة أنها شراكة ضرر. ودول المنطقة كانت ستكون أحسن حالا، وأكثر أمنا من دونها. بعبارة أخرى، لقد أثبتت هذه الشراكة بأننا كنا نستقوي بمن يغدر بنا ساعة يشاء. بينما لو أنها لم تكن موجودة، لكان البحث متاحا عن سبل أخرى أكثر ثباتا.

تريدون أن تنسحبوا لصالح إيران؟ انسحبوا. جود باي. تريدون أن توقّعوا معها اتفاقا لكي تموّلوا “أكبر دولة راعية للإرهاب”؟ حسنا، لا توجد مشكلة. تريدون لها أن تواصل سياسات التهديد والإرهاب؟ لا بأس بذلك أيضا. ولكن حلّوا عن.. سمانا. سوف نبحث عن بدائل. هذا هو القول الفصل لمن يأتي، بوفد طويل عريض، ليبيع علينا المخاطر ويسوّق الكوارث، ويسعى ليقنعنا بأن تواطؤه مع إيران وانسحاباته لصالحها، مفيدان لنا.