طريق عباس نحو الانتخابات الفلسطينية مليء بالمصدات

محمود عباس

جاء في صحيفة “العرب”: فسح قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس الشهر الماضي، والذي دعا إلى إجراء أول انتخابات محلية منذ 15 عاما نتيجة مفاوضات بدأت مع حماس العام الماضي بهدف تعزيز الصفوف في مواجهة أزمات غير مسبوقة، المجال أمام الكثير من التكهنات بشأن مستقبل أبومازن السياسي.

وتوجت تلك المحادثات بالقرار الرئاسي الذي دعا إلى إقامة انتخابات تشريعية في الـ22 من مايو وانتخابات رئاسية في الـ31 من يوليو. ولم يتضح بعد ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى بالفعل، وسيتطلب القيام بذلك عقد اتفاق بين حركة فتح -التي يتزعمها أبومازن- وحماس اللتين انقسمتا على مدى أكثر من عقد رغم المحاولات المتعددة للمصالحة.

ويخطط الجانبان للاجتماع في القاهرة هذا الأسبوع وستعتمد نتيجة المحادثات إلى حد كبير على عباس (85 عاماً) الذي أمضى عقودا في السعي السلمي لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، وهي الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967، لكنه أصبح يحكم سلطة فلسطينية غير شعبية محصورة في أجزاء من الضفة الغربية المحتلة.

وقطعت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب جميع المساعدات على الفلسطينيين واقترحت خطة للشرق الأوسط تأتي بالكامل في مصلحة إسرائيل تسمح لها بضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة. وأدى اتفاق تطبيع توسطت فيه واشنطن بين إسرائيل والإمارات الصيف الماضي لتعليق هذا الضم، لكنه ترك الفلسطينيين في عزلة متزايدة.

ويمكن أن تعزز المصالحة مع حماس وإجراء انتخابات شرعية أبومازن ويقابل التوقعات الغربية طويلة الأمد بتحمل المسؤولية، لكن تحقيق نصر حتى لو كان محدوداً لحماس -التي تعتبرها إسرائيل والدول الغربية جماعة إرهابية- قد يؤدي إلى عزلة دولية وخسارة المساعدات الحيوية كما حدث بعد فوز الحركة الإسلامية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في عام 2006.

وكان ممثل الاتحاد الأوروبي سفين كون فون بورغسدورف قد رحب بالدعوة إلى إجراء انتخابات فلسطينية، لكنه رفض شرح كيفية استجابة بروكسل لانتصار حماس. وقال متسائلا “هل تأتي بالعربة قبل الحصان؟ لماذا لا نبدأ بالحصان أولاً؟”.

وأعاد الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن مساعدة الفلسطينيين وتعهد بتبني نهج أكثر عدالة، ولكن من المرجح ألا يتم تفضيل مشكلة الصراع في الشرق الأوسط على الأزمات الأكثر إلحاحًا مثل جائحة فايروس كورونا، ومن غير المرجح أن تتعامل الولايات المتحدة مع أي أزمة تتعلق بحكومة فلسطينية تضم حماس.

وحتى حكومة مستقلين تدعمها حماس يمكن أن تشكل مشاكل للمانحين الغربيين، كما يمكن للانتخابات أن تعجل تفكك حركة فتح بزعامة عباس، لاسيما وأنه لم يقم بإعداد خلف له، ويمكن أن يواجه تحديا قياديا من مروان البرغوثي، زعيم فتح الشعبي الذي يقضي خمسة أحكام بالسجن مدى الحياة في سجن إسرائيلي لدوره في انتفاضة عام 2000.

ويقول علي الجرباوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية، “بالنسبة إلى البرغوثي الترشح للرئاسة هو طريقه الوحيد للخروج من السجن، أو على الأقل هذا ما يعتقده”.

وقد يضطر عباس أيضا إلى مواجهة تيار محمد دحلان، وهو منافس لفتح أدين غيابياً بتهم فساد من قبل محكمة فلسطينية بعد أن طرده عباس. ويتمتع هذا السياسي الفلسطيني بقاعدة دعم في مسقط رأسه غزة وحلفاء أقوياء في الإمارات، حيث يعيش الآن.

وقال المحلل السياسي الفلسطيني جهاد حرب “حتى الآن كل الحديث يدور حول وجود قائمة واحدة لفتح، لكن ليس من المستبعد أن تكون هناك قائمتان أو حتى ثلاث أو قد ينتظر البرغوثي الانتخابات الرئاسية”.

وستواجه حماس تحدياتها الخاصة في الانتخابات، حيث قد يحاسبها الناخبون على الدمار الاقتصادي الذي لحق بغزة التي عانت ثلاث حروب مع إسرائيل، وما تلا ذلك من حصار، وأيضا مسألة تعامل مصر مع غزة بنظرة معتدلة بحيث تساعد سكان القطاع، وذلك مع مراعاة الحفاظ على الأمن القومي.

وتتمثل إحدى أفكار الجولات في تجميع قائمة مشتركة من فتح وحماس، لكن هذا من شأنه أن يحسم إلى حد كبير نتيجة الانتخابات البرلمانية قبل الإدلاء بأي تصويت، مما يثير تساؤلات حول شرعيتها. وتقول يارا هواري، كبيرة المحللين في “الشبكة” -وهي مؤسسة فكرية فلسطينية دولية- إنه “في كلتا الحالتين إذا استمرت الانتخابات فستكون هناك نتيجة مدروسة تسمح لفتح وحماس بالحفاظ على الوضع الراهن”.

وقمعت السلطة الفلسطينية وحماس المعارضين عبر التعذيب والاعتقالات التعسفية في المناطق الخاضعة لسيطرتهما، وتحتجز إسرائيل بشكل روتيني نشطاء فلسطينيين وتقمع الاحتجاجات وحركات المقاطعة. وترى هواري أن “هذا تزوير! إذا كان لديك مجتمع مكبوت سياسياً بالكامل، ويعاقب بشكل روتيني المعارضة السياسية، فهذا إذن تزوير!”.

ويمكن استخدام القضايا العالقة بين فتح وحماس كذريعة لإلغاء أو تأجيل الانتخابات. ولا يزال الطرفان بحاجة إلى الاتفاق على محكمة لتسوية الخلافات الانتخابية وإنشاء آلية لتأمين مراكز الاقتراع في غزة، إذ لا وجود لقوات الأمن الفلسطينية منذ استيلاء حماس على القطاع كما طالبت السلطة الفلسطينية إسرائيل بالسماح للفلسطينيين في القدس الشرقية التي ضمتها بالمشاركة في الانتخابات.

ويعتقد خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والاستطلاعية، أن عباس قد يلغي أو يؤجل الانتخابات ويلقي باللوم على إسرائيل أو حماس، لكن إذا لم تعطه إسرائيل أو حماس هذه الذريعة فسيتم بذلك ليّ ذراعه وسيتعين عليه إجراء الانتخابات.

ويواجه عباس الذي انتهت ولايته الرئاسية في 2009 أزمة شرعية بالفعل، وقد يعيد المانحون الغربيون التفكير في دعمه إذا تم إلغاء الانتخابات. وربما يتعرض أيضا إلى رد فعل عنيف من الفلسطينيين.

وقال الشقاقي إن “للعملية ديناميكيات خاصة بها، ورغم سيطرة عباس عليها أعتقد أن حساباته يجب أن تتكيف مع الخيارات التي ستبقى أمامه إذا قرر إلغاء الانتخابات من جانبه. وسيكون هناك خلاف كبير داخل فتح حول هذا الأمر”.