تركيا تواجه تحديات عسكرية وسياسية متزايدة حول سوريا

رجب طيب أردوغان

بينما كان المستوى السياسي في أنقرة يتابع عن كثت تسارع مساعي الوحدات الكردية شمالي سوريا لإقامة كيان انفصالي على الحدود التركية وهو ما اعتبرته تركيا على الدوام “أكبر تهديد على أمنها القومي”، صعدت الوحدات الكردية من هجماتها على القوات التركية شمالي سوريا، بالتزامن مع تصعيد النظام وحلفائه هجماتهم على إدلب، ما أعاد هواجس حصول موجة لجوء جديدة وسط تصاعد الاحتقان الداخلي في تركيا حول ملف اللاجئين والأزمة السورية وهو ما أفرز مجموعة من التحديات العسكرية والسياسية الداخلية والخارجية على الحكومة التركية التي ما زالت تواجه صعوبة كبيرة في التخلص من ارتدادات الأزمة السورية منذ سنوات طويلة.

وشهدت الأسابيع الأخيرة تكثيف قوات سوريا الديمقراطية مساعيها السياسية من أجل العودة بقوة لترويج مشروعها لإقامة كيان فدرالي انفصالي (إدارة ذاتية) وهو ما تعتبره تركيا “كيانا إرهابيا انفصاليا” وصنفته على الدوام التهديد الأول على أمنها القومي، ونفذت سابقاً سلسلة عمليات عسكرية لمنع إقامة هذا الكيان بدأت من عملية درع الفرات في الباب ومحيطها، وعملية غصن الزيتون في عفرين، وعملية نبع السلام في رأس العين وتل أبيض.

ورغم النتائج العسكرية التي حققتها هذه العمليات إلا أن الوحدات الكردية لا تزال تسيطر على مساحات واسعة في شمالي وشرقي سوريا وتحصل على دعم عسكري وسياسي واسع من قبل الإدارة الأمريكية والعديد من الدول الأوروبية إلى جانب التعاون المتواصل مع روسيا، وهو ما يزيد من القلق في أنقرة من نجاح الوحدات بإقناع هذه القوى الدولية الفاعلة في دعم مشروعها الانفصالي.

وقبل أيام، استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفدا من “مجلس سوريا الديمقراطية” في باريس في خطوة أثارت غضب أنقرة مجدداً التي استنكرت الخطوة الفرنسية، واعتبرت الخارجية التركية أن “تعامل فرنسا مع التنظيم الإرهابي الدموي الذي يمتلك أجندة انفصالية يضرب بجهود تركيا لحماية أمنها القومي ووحدة سوريا وسلامة أراضيها”، وشدد بيان الخارجية على أن أنقرة “ستواصل بحزم كفاحها التنظيم الإرهابي وامتداده في كل مكان”.

وما زاد من الخشية التركية من تسارع مساعي الانفصال شمالي سوريا، الغموض الذي ما زال يكتنف سياسة الرئيس الأمريكي الجديد حول الملف السوري وعدم حصول أي تقدم في مساعي التقارب بين أنقرة وواشنطن حيث تؤشر الكثير من المعطيات إلى أن بايدن سوف يقدم دعماً أكبر للوحدات الكردية وربما يدعم مساعيها السياسية للانفصال خلال المرحلة المقبلة، وما يعزز هذا التوجه الأنباء المتزايدة عن إرسال القوات الأمريكية مزيدا من التعزيزات العسكرية من العراق إلى شمالي سوريا والتكهنات حول إقامة قاعدة عسكرية جديدة كبيرة. وهي جميعها تطورات تشكل ضغطاً كبيراً على المستويين السياسي والعسكري في أنقرة.

وبالتزامن مع هذه التطورات، كثفت الوحدات الكردية هجماتها على الجيش التركي في شمالي سوريا حيث قتل جنديان وأصيب اثنان آخران في أحدث هجوم وقع السبت وفجر ردود فعل غاضبة جداً في الداخل التركي، في حين أعلن الجيش التركي الرد على مصادر النيران وتدمير العديد من مواقع الوحدات الكردية كما أصدر كبار المسؤولين الأتراك تهديدات بمواصلة العمليات العسكرية حتى القضاء على “الإرهاب من جذوره” في شمالي سوريا.

الهجوم الأخير وما سبقه من هجمات متتالية أوقعت قتلى وجرحى في صفوف الجيش التركي والأنباء التي انتشرت عن حجم شبكة الأنفاق والتحصينات التي بنتها الوحدات الكردية على طول الحدود مع تركيا والحديث عن تسارع مساعي الانفصال وتزايد الدعم الأمريكي وإرسال روسيا مزيدا من العزيزات لمناطق الوحدات الكردية خاصة في ريف الحسكة، جميعها تطورات أعادت إلى الواجهة بقوة الحديث عن إمكانية تنفيذ الجيش التركي عملية عسكرية شرقي نهر الفرات شمالي سوريا وهو الحديث الذي يقود بدوره إلى رسم خريطة التعقيدات التي ترافق هذه الخطوة لا سيما مخاطر الصدام مع الولايات المتحدة في ظل مساعي تحسين العلاقات وإمكانية الصدام مع روسيا وما يحمله ذلك من مخاطر تتعلق بغرب الفرات أي إدلب على وجه التحديد.

ففي الوقت الذي تفجر فيه النقاش والجدل الداخلي مجددا بقوة في تركيا حول ملف اللاجئين وعودة المطالبات لإعادتهم إلى بلادهم عبر ربط تواجدهم بعدد من الأزمات وخاصة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، صعدت روسيا والنظام السوري عسكرياً ضد إدلب وهو ما أعاد بدوره شبح إمكانية تفجر الأوضاع العسكرية مجدداً هناك وما يحمله ذلك من مخاطر تقدم النظام وسيطرته على مناطق جديدة وحصول موجة هجرة كبيرة وربما الصدام العسكري مع النظام وروسيا كما جرى في الجولة السابقة من القتال.

هذا المشهد المتداخل والمعقد شكل ضغطاً كبيراً على الحكومة التركية التي تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالملف السوري تفرض عليها الموازنة بين الحسابات العسكرية والسياسية وبين الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة التي يبدو أنها ستفرز خلال الأسابيع والأشهر المقبلة استحقاقات عسكرية وسياسية قد تظهر على شكل مواجهة عسكرية جديدة في إدلب وعملية عسكرية جديدة للجيش التركي في شرقي الفرات وما يحمله ذلك من مخاطر الدخول في مناورة عسكرية وسياسية مع روسيا وأمريكا في مرحلة سياسية حساسة.