البطاقة التمويلية خدعة كبيرة.. والمواطن يواجه المجهول وحيدًا

السوبرماركت

جاء في صحيفة “الديار”: أصبح الواقع الاقتصادي والإجتماعي في لبنان مذريًا مع تراجع المداخيل، وإرتفاع سعر الدولار في السوق السوداء، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن في ظل أفق سوداوية لأي حلّ سياسي يقود إلى حل إقتصادي وبالتالي إدخال العملة الصعبة إلى الماكينة الإقتصادية.

التصلّب السياسي لا يُبشّر بتشكيل حكومة في الوقت القريب وهو ما قد يطرح السؤال عمن يُدير الشؤون الإقتصادية للمواطن في ظل إستقالة حكومة حسان دياب. وإذا كان الرئيس دياب قد إمتنع (ولا يزال) عن دعوة حكومته للإجتماع بهدف مُعالجة المشاكل الإقتصادية والمالية بحجّة الضغط لتشكيل حكومة، إلا أن تصريحه منذ يومين عن البطاقة التمويلية يطرح العديد من الأسئلة خصوصًا أنه صرّح في الأول من أيار بمناسبة عيد العمّال أنه ضدّ رفع الدعم ومع الإستمرار بالدعم لاخر دولار في المصرف المركزي.

تصريح دياب أول من أمس حول إنهاء مشروع البطاقة التمويلية بهدف رفعه إلى مجلس النواب لإقراره، يطرح السؤال عن الأسباب التي دفعته إلى تغيير رأيه بفارق يومين وخصوصًا أن لا مُستجدات فعلية على صعيد التمويل الخارجي لهذه البطاقة. فالقطريين الذين أبدوا إستعدادهم لدعم لبنان لا يُمكنهم تخطّي القيود الدولية بالمرور عبر صندوق النقد الدولي، ودفتر شروط قرض البنك الدولي لدعم البطاقة تمّ تعديله في المجلس النيابي مما فرض إرساله من جديد إلى مجلس إدارة البنك الدولي بهدف إقراره مما يعني أن لا جواب عملي قبل نهاية أيار موعد رفع الدعم.

مصادر تمويل البطاقة هي خارجية وداخلية. على الصعيد الخارجي، بإستثناء البنك الدولي، لن تُمول أي دولة أو مؤسسة هذه البطاقة نظرًا للمرور الإلزامي بصندوق النقد، إذا لم يبق إلا التمويل الداخلي. على هذا الصعيد، المصدر الداخلي الوحيد هو مصرف لبنان نظرًا إلى أن الدولة اللبنانية لا تملك المال وهي في حالة إفلاس وعجز. وإذا ما وافق مصرف لبنان على تمويل البطاقة فإن الدفع سيكون إمّا بالليرة اللبنانية (ما بين مليون وثلاثة ملايين للعائلة الواحدة بحسب دياب) وهو ما يعني طبع ما بين 750 مليار ليرة إلى 2.5 تريليون ليرة لبنانية إضافية شهريًا أي أن سعر صرف الليرة أمام الدولار سيكون في الحضيض. أو سيتمّ تمويل هذه البطاقة بالدولار الأميركي (مُعدّل 137 دولار أميركي) وهذا يعني أن مصرف لبنان سيستخدم الإحتياطي الإلزامي – أي أموال المودعين من دون أي موافقة من قبل المودعين. وبالتالي فإن مثل هذه العملية إذا ما تمّت، تُعتبر عملية إخلال بالأمانة ويُمكن مُحاسبة كل من شارك أو نفذ هذا الأمر قانونيًا.

هذا الأمر يفرض الواقع التالي: من جهة رئاسة الحكومة تُريد إقرار البطاقة التمويلية وتمويلها من مصرف لبنان، وفي المقابل مصرف لبنان يرفض رفضًا قاطعًا هذا الأمر نظرًا لمخالفته القوانين، مدعومًا من المجلس النيابي كما ورد على لسان نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي. الجدير ذكره أن نقابة المحامين هدّدت المسؤولين برفع دعوة ضدّهم في حل تمّ المسّ بالإحتياطي الإلزامي وهو ما إستدعى إرسال كتاب من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى وزير المال في حكومة تصريف الأعمال يُخبره بالأمر ويطلب منه إعطاءه توجيهات الحكومة فيما يخصّ هذا الأمر.

إذَا وكنتيجة لكل ما تقدّم، البطاقة لن تُقرّ بسبب التمويل نظرًا إلى معارضة المجلس النيابي، وإذا ما تمّ إقرارها فإنها ستكون من دون تمويل نظرًا إلى عدم وجود مسوغ قانوني يسمح بفرض إستخدامها على مصرف لبنان. وبالتالي سيصل المواطن إلى أخر أيار من دون دعم ومن دون بطاقة تمويلية وسيكون وحيدًا في مواجهة مافيا التجّار الذين أثبتوا أنهم غير أهل لثقة الناس لأن الانا الفردية هي التي ستحكم تصرفهم وسيكون هناك عملية إحتكار وتهريب من دون أي حسيب أو رقيب. الأمل الوحيد الذي يبقى للمواطن هو بلجم سعر صرف الدولار الأميركي في السوق ومُكافحة عملية التهريب القائمة على قدم وساق.

لجم سعر الصرف في السوق لا يُمكن أن يتمّ إلا عبر منصة مصرف لبنان المنوي إطلاقها الإثنين المُقبل والتي ستسمح بإعطاء سعر دولار مُقابل الليرة أقرب إلى حقيقة الواقع الاقتصادي في السوق منه إلى مضاربات السوق السوداء التي تُديرها عصابات تطال كل السلسلة من الصيارفة إلى التجار مرورًا بالتطبيقات الإلكترونية ومافيات التهريب!

أما الرقابة، فإذا ما كان هناك قرار سياسي، فإن المنصّة ستسمح برقابة صارمة وكبيرة لا يُمكن بعدها السماح بالتهريب أو المضاربة أو الإحتكار. فالمعلومات التي تمتلكها لجنة الرقابة على المصارف التي ستُراقب عمل المنصة، يُمكن أن تكون قاعدة بيانات للوزارة الاقتصاد والتجارة، والجمارك ووزارة المال والأجهزة الأمنية لكي يكون هناك رقابة مثالية على عمل التجّار.

أمّا التجّار الذين سيبقون على السوق السوداء لشراء دولاراتهم، فإن أعمالهم هي أعمال مشبوهة وتستدّعي تحرّك من قبل النيابة العامة نظرًا إلى أن هناك شبهات عديدة تلفّ حول هؤلاء التجار منها تبييض الأموال، والتهرّب الضريبي، والتهريب، وتهريب الأموال… وغيرها من العمليات التي صنّفها القانون 44\2015 بعمليات تُنتج أموالا مشبوهة يُمكن بعدها لهيئة التحقيق الخاصّة ملاحقتهم وتجميد أموالهم في لبنان والخارج وتحويلهم إلى النيابة العامّة.

فعليًا على الأرض، هناك تشابك مصالح على الأرض سيمنع أجهزة الرقابة من العمل وبالتالي سيقوم التجّار بالإستفادة من سعر الدولار على المنصّة، والذي هو أقلّ من سعر السوق السوداء، لزيادة عمليات التهريب والإحتكار. وهذا يعني أن عملية إستنزاف دولارات لبنان ستستمرّ إلى حين إعادة تكوين سلطة تنفيذية لا تكون شريكة في المصالح على الأرض وقادرة على المحاسبة ومُقاضاة المُخالفين من التجار والصيارفة والمصرفيين الذين يقومون بأبشع الجرائم بحق المُجتمع اللبناني على مرأى من السلطة التنفيذية وأحيانًا بمباركتها.

في ظل كل هذا المشهد السوداوي، لا يبقى للمواطن إلا أن يعمد إلى تخزين السلع والمواد الغذائية والإستفادة من الإعانات التي بدأت بعض الأحزاب بتوزيعها على جمهورها وبعض الجمّعيات وذلك لمواجهة المُستقبل القريب إلى المتوسّط والمحفوف بمخاطر عالية. وبحسب بعض الخبراء الماليين، هناك إحتمالات أن يكون كل هذا السيناريو هو بهدف شفط الدولارات المُتبقّية لدى المواطنين في منازلهم وإقتسام هذه الدولارات بين أصحاب النفوذ والتجّار والعصابات التي تقوم بعمليات التهريب. ويُقدّر الخبراء قيمة الدولارات الموجودة في السوق ما بين 5 إلى 8 مليار دولار أميركي موّزعة على الشركات والأفراد.

يبقى القول إن منظر المواطنين يتقاتلون على السلع المدعومة في السوبرماركات في مشاهد قريبة إلى عالم المصارعة، تُشير بكل وضوح أن لبنان أصبح بلدًا فقيرًا، وفاشلا وُمتخّلفًا (بالتعريف الاقتصادي) نظرًا إلى عدم قدرة حكومته على تأمين أمنه الغذائي وتركه يُعاني الأمرّين للحصول على الحدّ الأدنى من قوته. ولا يظننن أحد أن تمثيليات ما يُسمّى بالدّعم التي يقوم بها المسؤولون هي حقيقة بل هي خدّعة أثبتها الوقت مع إستخدام أموال اللبنانيين لتمويل عمليات التهريب. وبالتالي لا يجب على اللبناني أن ينخدع بالبطاقة التمويلية التي سيُثبت التاريخ أيضًا أنها عملية إحتيال وكذب أخرى على الشعب اللبناني.