باريس ترفع اللهجة بوجه القوى اللبنانية العمياء: اجراءات ضد المعرقلين وأيام حاسمة

جان إيف لودريان

كتب “محمد بلوط” في صحيفة “الديار”:

سجلت في الساعات الماضية مواقف وتحركات ناشطة تؤشر الى تطورات محتملة على صعيد مسار الازمة وعملية تاليف الحكومة ، لكن الاجواء بقيت ضبابية لا سيما في ظل التوتر المستمر على محور بعبدا – بيت الوسط.

وفي الوقت الذي كان وزير الخارجية المصري سامح شكري يجول على المسؤولين وقيادات سياسية في اطار زيارته امس للبنان من اجل الدفع باتجاه حسم موضوع الحكومة ، برز تحذير فرنسي عالي النبرة على لسان وزير الخارجية جان ايف لودريان يوحي بأن باريس نفد صبرها، وانها في صدد اتخاذ تدابير واجراءات معينة حيال معرقلي الحل في لبنان في الايام المقبلة سعيا لحسم الموقف.

وفي تحذيره قال لودريان «ان فرنسا ستتخذ اجراءات بمن غلبوا مصالحهم وعرقلوا حل الازمة في لبنان ، وان الايام المقبلة ستكون حاسمة ومصيرية».

واضاف «ان الازمة اللبنانية ليست نتيجة كارثة طبيعية بل نتيجة مسؤولين سياسيين معروفين جدا»، مشيرا الى «ان هناك اطرافا سياسية في لبنان تضع مطالب تعجيزية ، وان القوى السياسية اللبنانية تعمي البصيرة ولا تتحرك لانقاذ البلاد على الرغم من تعهداتها ، وهي تتعنت عن عمد ولا تسعى للخروج من الازمة».

ولم يكشف الوزير الفرنسي عن طبيعة الاجراءات التي ستتخذها بلده حيال من يعرقل ولا عن الجهات التي تعرقل الحلول في لبنان، لكنه تحدث عن ايام مقبلة مصيرية.

واستبعد مصدر سياسي مطلع للديار ان تقدم باريس على فرض عقوبات على جهات او اشخاص او مسؤولين في هذا الوقت لان من شأن ذلك ان يعقد الموقف اكثر ويخلق اهتزازا في الدور الفرنسي الوسيط. لكنه لم يستبعد ان ترفع باريس من وتيرة ضغوطها السياسية والمعنوية على بعض الاطراف والمسؤولين المعنيين.

في هذا الوقت لم تتوقف المساعي والجهود المحلية لاخراج الحكومة من عنق الزجاجة . وقال مصدر سياسي مطلع للديار امس ان ابرز هذه المساعي هي التي يقوم بها الرئيس بري من خلال استكمال طرح وبحث الافكار والاقتراحات التي من شأنها تذليل العقبات الباقية من امام تشكيل الحكومة.

وكشف المصدر ان الرئيس بري يركز تواصله مع الرئيس الحريري من خلال معاونه السياسي النائب علي حسن خليل الذي زار بيت الوسط اول من امس لهذه الغاية، وانه على تواصل دائم ايضا مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

واضاف المصدر ان حزب الله على تنسيق دائم مع بري، وانه يتواصل مع بعبدا ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في سعي مشترك للثنائي الشيعي من اجل تقريب المسافة بين بعبدا وبيت الوسط وانتاج الحل.

واشار الى انه جرى مؤخرا حسم خيار تشكيل الحكومة من ٢٤ وزيرا والاتفاق المبدئي على توزيعة ٨،٨،٨ . لكن هناك امورا اخرى هي قيد التفاوض تتعلق بوزارتي الداخلية والعدل وبتسمية الوزيرين المسيحيين الاضافيين.

ولم يخف المصدر قلقه من استمرار التوتر الشديد في العلاقة بين عون والحريري الذي يساهم في عدم تسريع التأليف ، لكنه اشار في الوقت نفسه الى ان اعادة التطبيع بين الرجلين ليست مهمة مستحيلة لانهما محكومان بالتوافق على التشكيلة الحكومية.

سيناريوهات التحرك الفرنسي 

وفي ضوء اللغط حول التحرك الفرنسي الاخير وما سعت وتسعى اليه باريس لاستضافة اجتماعات ولقاءات مع مسؤولين واطراف سياسية لبنانية، قال مصدر لبناني مطلع شارك في اجتماع «سان كلو» سابقا للـ «الديار» : «هناك افكار عديدة درستها وتدرسها فرنسا في السعي للانتقال من مرحلة المراوحة الى مرحلة حسم الخيارات لانجاز الحكومة . وان من بينها اجتماع الرئيس ماكرون مع الرئيس الحريري ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ومصالحتهما في الاليزيه ، لكن هذه الفكرة التي طرحت جديا تعطلت في اللحظة الاخيرة بعد تسريبها للاعلام ومعارضة الرئيس المكلف الاجتماع مع باسيل قبل حسم موضوع الحكومة مع الرئيس عون».

وردا على سؤال قال المصدر «ان فكرة عقد لقاء موسع مع الاطراف اللبنانية وممثلين عنهم في سان كلو الفرنسية لم تطرح بعد ، ولم يتبلغ احد من الاطراف بها «، مرجحا ان باريس لا تريد الاقدام على مثل هذه الخطوة في الوقت الراهن خصوصا في ظل عدم توافر الضمانات الكافية لنجاحها، وانها ربما تفعل ذلك كباكورة لحل ما للازمة الحكومية».

وفي شأن ما يجري الحديث عنه حول عقوبات فرنسية محتملة على مسؤولين لبنانيين قال المصدر «ان مثل هذا الخيار مستبعد ولم يطرح على طاولة الادارة الفرنسية لاعتبارات عديدة، اولا ان الشروط والآلية القضائية الفرنسية لفرض مثل هذه العقوبات هي معقدة وتحتاج الى ترتيبات معينة وتستلزم وقتا. ثانيا ان باريس لا تريد التماثل بتجربة الرئيس الاميركي السابق ترامب الفاشلة لانها لم تؤد الى اي نتيجة ايجابية. ثالثا ان لجوء فرنسا الى العقوبات ضد بعض المسؤولين والاطراف المتهمة بتعطيل تاليف الحكومة ستفقدها دور الوسيط ، وبالتالي سيؤثر في مبادرتها».

وكشف المصدر المطلع عن مسؤول فرنسي قوله «ان فرنسا لم ولن تتوقف عن البحث في كل ما يمكن ان يؤدي الى تسريع تشكيل الحكومة اللبنانية ، وهي ماضية وعازمة على المضي في مبادرتها وتنشيطها ولن توقفها تحت اي ظرف. وتركز في الوقت الراهن على ممارسة كل اشكال الضغط المعنوي والسياسي على الاطراف اللبنانيين وخصوصا المعرقلين منهم لتحقيق الحلول في اسرع وقت ممكن».

وتجنب المسؤول الفرنسي الحديث عن طرف اوشخص محدد متهم بالتعطيل في لبنان، لكنه اضاف «ان اي اجتماع مع قيادي او مسؤول لبناني لن يكون من اجل الاستماع الى موقفه فحسب لان المواقف صارت معروفة ، بل سيكون من اجل حضه على التخلي عن شروطه المتشددة ووضعه امام مسؤولياته وحسم موقفه لمصلحة تاليف الحكومة».

وختم المصدر «ان الفرنسيين يبحثون اليوم كل الافكار والمحاولات الممكنة لفرض اجواء ضاغطة على الجميع للاسراع في تشكيل الحكومة ، وان تحركهم مفتوح على سيناريوهات متعددة ستتبلور قريبا».

باسيل

جبران باسيل

وفي سياق متصل قال النائب باسيل امس «ابديت وما زلت ابدي كل التجاوب مع اي رغبة فرنسية بزيارة باريس، او بلقاء في اي مكان ومع اي كان، بلا عقد او حجج ، ومن دون المس بصلاحيات رئيس الجمهورية او التعرض لدوره شكلا ومضمونا. فالهم واحد اوحد هو تنفيذ الاصلاحات بدءا بتاليف الحكومة».

ولفت في تصريح على وسائل التواصل الاجتماعي الى انه «رغم كل ذلك، ورغم قرارالتيار عدم المشاركة في الحكومة مع تقديم كل تسهيل لتشكيلها وازالة كل العقبات امامها ، ورغم تحديد اكثر من موعد وفرصة، جاء من يعطل كل محاولة فيها ، سنبقى نتجاوب ، ضمن الاصول مع كل مسعى خارجي، ولن نيأس الى ان يبصر الحل النور».

وربطت مصادر مطلعة بين كلام باسيل وموضوع لقاء المصالحة الذي جرى الحديث عنه بينه وبين الحريري في الاليزيه والذي كان مقررا الاربعاء. وقالت للديار ان اللقاء كان جرى التحضير له الا ان باريس عدلت عن الفكرة بعد تسربه  الى وسائل الاعلام ومعارضة الحريري.

 عون ومعركة التدقيق 

من جهة اخرى شدد الرئيس عون في رسالة الى اللبنانيين امس على «ان التدقيق الجنائي هو البداية لمعركة اصعب من معركة تحرير الارض، وهي معركة ضد الفاسد والحرامي».

وقال «ان سقوط التدقيق الجنائي يعني ضرب المبادرة الفرنسية لان من دونه لا مساعدات دولية ولا مؤتمر سيدر ولا دعم عربي وخليجي ولا صندوق دولي».

وراى ان اسقاط التدقيق الجنائي هو ضرب لقرار الحكومة ، داعيا اياها لعقد جلسة استثنائية لاتخاذ القرار المناسب وحماية اموال وودائع الناس».

واكد عون «ان الشكوك كانت تتاكد يوما بعد يوم بان حسابات المصرف المركزي غير شفافة ولم يكن يعرف حجم النقص في الاحتياط بالعملات الاجنبية وهو نقص كانت تتم تغطيته من اموال المودعين خلافا للقانون».

واتهم المصرف المركزي بعرقلة التدقيق الجنائي بذرائع عديدة، منها قانون السرية المصرفية وغيرها . وقال «ان العرقلة استمرت في تنفيذ التدقيق الجنائي الى ان اعترف وزير المال منذ بضعة ايام ان المصرف المركزي يمتنع عن الاجابة عن عدد كبير من اسئلة شركة الفاريز ومارسال».

وقال «ان شركة الفاريز ومارسال وجهت بواسطة وزير المال ١٣٣ سؤالا الى المصرف المركزي الذي اجاب عن ستين منها ورفض الاجابة عن البقية اما بحجة انها مخالفة قانون النقد والتسليف او لان لا جواب لديه…».

وحمل المصرف المركزي المسؤولية قائلا « المسؤولية الاساسية تقع عليك . انت خالفت قانون النقد والتسليف ، وكان لزاما عليك تنظيم العمل المصرفي واتخاذ التدابير اللازمة لحماية اموال الناس في المصارف».

جولة شكري

وفي هذه الاجواء برزت امس زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري في مهمة وصفت بانها تتكامل مع المبادرة الفرنسية وتهدف الى حض المسؤولين اللبنانيين على تشكيل الحكومة باسرع وقت.

وقالت مصادر مطلعة ان الوزير المصري لم يحمل مبادرة او مقترحات معينة ، لكنه ابلغ المسؤولين والسياسيين اللبنانيين الذين التقاهم قلق مصر من تفاقم الوضع اللبناني وتداعياته ايضا على المنطقة ، مجددا ان القاهرة مستعدة لتقديم كل دعم من اجل الخروج من الازمة وتاليف الحكومة.

ولفتت المصادر الى ان التحرك المصري هو التحرك العربي المباشر اليوم باتجاه لبنان ، وان هناك تتسيقا وتعاونا واضحين بين القاهرة وباريس لرفع وتيرة زخم الجهود لحسم موضوع الحكومة .

والتقى شكري الرؤساء عون وبري والحريري والبطريرك الراعي وكلا من جنبلاط ورئيس المردة سليمان فرنجية ورئيس الكتائب سامي الجميل واتصل برئيس « القوات اللبنانية « سمير جعجع بسبب اصابته بكورونا.

ونقل للرئيس عون رسالة تضامن من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ودعا الى الخروج من الازمة في اطار «الحفاظ على الدستور واتفاق الطائف».

كما اعرب في عين التينة عن تقدير مصر وتثمينها للدور والمبادرات التي يقوم بها الرئيس بري لاخراج لبنان من ازمته.

وقالت مصادر مواكبة لاجواء زيارة الوزير المصري للديار انه على الرغم من عدم طرحه مبادرة او مقترحات محددة لتاليف الحكومة ، فانه شدد على النقاط الاتية :

– تشكيل حكومة اختصاصيين غير حزبيين تحظى بثقة داخلية وخارجية لتنفيذ مهمتها الانقاذية.

– التاكيد على ضرورة تعاون الجميع في لبنان لانجاز الاستحقاق الحكومي سريعا وفقا للدستور واتفاق الطائف.

– حرص مصر على التوافق بين جميع المسؤولين لتعزيز رصيد الحكومة وعملها الاصلاحي.

– دعم مصر مهمة الرئيس الحريري لتشكيل الحكومة.

من جهة ثاني توقفت الاوساط السياسية عند استنثاء الوزير شكري من جدول لقاءاته حزب الله وباسيل، طارحة علامات استفهام حول اسباب وخلفيات هذا الاستثناء. وقالت ان هناك تاويلات كثيرة حول عدم لقائه باسيل خصوصا ومنها انها ربما تكون رسالة مصرية تشير الى انزعاجها من موقفه من موضوع الحكومة. كما توقف عند كلام الرئيس عون خلال استقباله شكري وقوله «ان الخروج من الازمة يكون باعتماد القواعد الدستورية والميثاقية وبالتعاون بين جميع الاطراف من دون اقصاء او تمييز».

وقالت ان رئيس الجمهورية في موقفه هذا يغمز صراحة من قناة الرئيس الحريري لجهة رفضه التعاون او اللقاء مع باسيل.