المطران عودة: ما نفع الحصص التي يتمسّك بها البعض إذا فقدنا البلد؟

المطران الياس عودة

هنأ متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده “إِخـــوَتَــنـــا الــمُــعَــيِّـــديـــنَ الــيَـــومَ لِــلــفِــصـــحِ الــمُــقَـــدَّس”، وقال في عظة الأحد: “الــصَّــلــيـــبُ هُـــوَ عَــلامَـــةُ الــمَــحَــبَّـــةِ الــكــامِــلَـــة. لا أَحَـــدَ يُــمــكِــنُـــهُ أَنْ يَــقـــولَ إِنَّـــهُ يُــحِـــبُّ الآخَـــرَ إنْ لَـــمْ يَــحــتَــمِـــلِ الآلامَ مــعـــه أو مِـــنْ أَجــلِـــهِ”، مؤكداً أنّ “هـــذا مـــا يَــفــعَــلُـــهُ الأَهـــلُ مِـــنْ أَجـــلِ أَبــنــائِــهِـــمْ، ومـــا يَــجِـــبُ أَنْ يَــفــعَــلَـــهُ كُـــلُّ مَــســـؤولٍ مِـــنْ أَجـــلِ مَـــنْ تَــسَــلَّـــمَ مَــســـؤولِــيّـــةَ قــيـــادَتِــهـــم”.

وتابع: “الــمَــطــلـــوبُ مِــنَّـــا، كَــمَــســيــحــيِّــيـــن، أنْ نَــتَــخَــلَّـــى عَـــنْ كُـــلِّ أَمـــرٍ يُــعَــرقِـــلُ وُصــولَــنـــا إلـــى الــمَــلَــكـــوت، مَــهــمـــا بَـــدا هَـــذا الأمـــرُ مُـــؤلِــمًـــا”، مشيراً إلى أنّ “الــمُــتَــعَــلِّـــق بِــالــمــالِ عَــلَــيـــهِ أَنْ يُــســاعِـــدَ الــمُــحــتــاجــيـــن، فَـــإِنَّ خِــســارَتَـــهُ هُــنـــا تُــربِــحُـــهُ الــمَــلَــكـــوتَ الآتـــي. والــمُــتَــعَــلِّـــق بِــالــسُّــلــطَـــةِ عَــلَــيـــهِ أَنْ يَــتَــنـــازَلَ عَـــنْ أَنـــاهُ، ويَــعــمـــلَ مـــن أجـــلِ الــخــيـــرِ الــعـــام، وإلاّ فــلــيُــسَــلِّـــمْ الــسُّــلــطَـــةَ إلـــى آخَـــريـــنَ، رُبَّــمـــا يَــكـــونـــونَ أَفــضَـــلَ مِــنـــهُ فـــي الــقِــيـــادَةِ والــعــطـــاءِ والــتــضــحــيـــة. الــكِــبـــرِيـــاءُ تَــجــعَـــلُ الإِنــســـانَ يَــظُـــنُّ أَنَّـــهُ الــمُــنــقِـــذُ الـــوَحــيـــد، فَــيَــتَـــأَلَّـــمُ إِذا رأى آخَـــريـــنَ قـــادِريـــنَ عــلـــى حَــمـــلِ صَــلــيـــبِ الــمَــســـؤولِــيَّـــةِ بِــفَـــرَحٍ أَكــبَـــر وعــطـــاءٍ أَكــثَـــر. لـــذلـــك عــلـــى الــمُــتَــسَــلِّـــطِ الــمُــتَــمَــسِّـــكِ بِــعَــرشِــهِ أَنْ يُـــراجِـــعَ ذاتَـــهُ، ويَــصــلُـــبَ هَـــوى الــسُّــلــطَـــةِ لَـــدَيـــهِ، حَــتَّـــى يَــصِـــلَ، مـــع مَـــنْ تَـــوَلَّـــى مَــســـؤولِــيَّــتَــهُـــم، إلـــى الــقِــيـــامَـــةِ الــبَــهِــيَّـــة”.

وأكّد  عودة  أنّ “الــمــســـؤولــيـــةَ صــلــيـــبٌ إن كـــان حـــامــلَــهـــا ذا ضــمــيـــرٍ حـــي، وحَــمْـــلُ الــصــلــيـــبِ لــيـــس ســهـــلاً، لــكـــنّ مَـــنْ نـــذرَ نــفــسَـــه لــلــخـــدمـــةِ لا يــتـــوقـــفُ أمـــامَ الــمــصـــاعـــب، بـــل يــحـــاولُ جـــاهـــداً تـــذلــيــلَــهـــا والــتــخــفــيـــفَ عـــن كـــاهـــلِ الــمـــواطـــن”، لافتاً إلى أنّ “مــشــكــلــتـنـــا فـــي لــبــنـــان أنّ الــمــســـؤولــيـــن يـتـــذمّـــرونَ مِـــنَ الــوضـــعِ أكــثـــرَ مـــن الــمـــواطــنــيـــن، وكـــأنَّ عــلـــى الــمـــواطـــنِ إيــجـــادَ الــحــلـــول. الــلــبــنـــانـــي دفـــعَ مـــن حــيـــاتِـــه ولــقــمـــةِ عــيــشِـــه وكـــرامــتِـــه، ودفـــعَ فـــي انــفــجـــارِ 4 آب أولادَه ومــمــتــلــكـــاتِـــه، ومـــا زال بــعـــدَ ســبــعـــةِ أشــهـــرٍ يُــطـــالـــبُ بــحــقِـــه فـــي مــعـــرفـــةِ ســبـــبِ مـــا حــصـــلَ، ومــعـــرفـــةِ مــصــيـــرِهِ، والــبــلـــدُ فـــي مــهـــبِّ الـــريـــح”.

وتابع: “قــيـــل قـــديــمـــاً صـــاحـــبُ الــحـــقِ ســلــطـــان. فـــي هـــذا الــبــلـــدِ الــحـــقُ لا يــنــفـــعُ الإنــســـان، لأنّ شــعـــبَ هـــذا الــبــلـــدِ، الـــذي هـــو صـــاحـــبُ الــحـــقِ فـــي الــعــيـــشِ بــســـلامٍ وأمـــانٍ وكـــرامـــة، مــهــضـــومُ الــحـــقِ والــكـــرامـــة. عــنـــدنـــا حـــقُّ مَــحـــوِ الآخـــرِ ســلــطـــان. حـــقُّ الــتــشــفـــي والإنــتــقـــامِ ســلــطـــان. حـــقُّ مـــلءِ الــجــيـــبِ ســلــطـــان. حـــقُّ الــقـــرابـــةِ ســلــطـــان. أمـــا الــشــعـــبُ الــمـــوجـــوعُ فــعــلــيـــه الــتـــزلّـــفُ والــتـــزلّـــمُ لــلـــوصـــولِ إلـــى حــقِّـــه، أو الموتُ بؤساً أو يأساً”، مؤكداً أنّ “الــســيـــاســـةُ فـــي هــــذا الــبــلـــدِ مــصــلــحـــةٌ ومــنــصـــبُ شـــرفٍ، فــيــمـــا يــجـــبُ أن تــكـــونَ عــمـــلاً دؤوبـــاً وتــضــحــيـــةً قــصـــوى مـــن أجـــلِ الــخــيـــرِ الــعـــام”.

وأضاف: “الــمــســـؤولُ، أي الـــرئــيـــسُ والــنـــائـــبُ والــوزيــرُ، قــيــمــتُـــه لــيــســـت فـــي لــقــبِـــه بـــل فـــي مـــا يَــعــمَـــلُ ويُــنــتـــج، وســـوف يَـــذكـــرُ الــتـــاريـــخُ مـــآثـــرَهُ وإنــجـــازاتِـــه لا لــقــبَـــه. لـــذلـــك تـــركَ لــنـــا الــتـــاريـــخُ أســمـــاءَ كــبـــارٍ، ونــبـــذَ أســمـــاءً كــثــيـــرةً لـــم يَــعُـــدْ أحـــدٌ يـتـــذكّـــرُهـــا”، متسائلاً: “مـــا نــفـــعُ الألــقـــابِ إن لـــم يــتـــركْ صـــاحــبُــهـــا مـــا يُــخَــلِّـــدُ ذِكــراه؟ مـــا نــفـــعُ الــصـــلاحــيـــاتِ الــتـــي يــطـــالـــبُ بــهـــا الــبــعـــضُ إذا انــهـــارَ الــبــلـــد؟ مـــا نــفـــعُ الــحــصــصِ الــتـــي يــتــمــســـكُ بــهـــا الــبــعـــضُ إذا فَــقَـــدْنـــا الــبــلـــد؟ هـــل تَــبــنـــون أمــجـــادَكـــم عــلـــى أنــقـــاضِ الـــدولـــة؟ وهـــل يــتــحــمّـــلُ الــمُــعـــرقــلـــون تِــبْــعَـــةَ انــهــيـــارِ الــبــلـــدِ أو زوالِـــه؟ ألا تعلمون أنَّ كلَّ لبنانيٍّ نقيٍّ في إنـتـمـائِـه مؤتـمَــنٌ على كلِّ حجرٍ وشجرٍ ومياه والوطن”، لافتاً إلى أنّ “الإنسان المحب لوطنه، يــنــمــو ويــدخــلُ التاريخَ كــأرزةٍ عـنـيـدةٍ في حــبِّها لأرضِـهـا، تغوصُ جذوعُها في أعماقِ الأرضِ لا تـنـفـصِـلُ عنها بل تبقى مــتــشــبِّـــثــةً بها”.

وأكمل عوده في عظته: “إنَّ المرحلةَ الحاضرةَ قــاتــمـةٌ، غامــضةٌ، ومعـــقَــدَّةٌ إن لم نَــقُـــلْ خَــطِــرة، والشجاعةُ تكمنُ في ابتداعِ الحلولِ الإنــقــاذيّة. أما البطولةُ ففي ابتداعِها على حسابِ الأنا، كالأمِ التي تعطي من ذاتِها لتحيا عائلتُها”، مؤكداً أنّه “عـــوضَ الــتــلــهّـــي بـــالــحــصـــصِ والــمــكـــاســـب، عــلـــى الــمــســؤولــيـــن أن يــفــتّــشـــوا عـــن حــلـــولٍ تــنــقـــذُ الـــوطـــنَ والــمـــواطـــنَ الــمــهـــدَّدَ بـــالــجـــوع، وقـــد تـــراجــعـــتْ قـــدرتُـــه الــشـــرائــيـــة، وأصــبـــحَ عـــاطـــلاً عـــن الــعــمـــل، وانــهـــارتْ لــيـــرتُـــه، وتـــلاشـــتْ إمــكـــانــيـــةُ عَــيْــشِــه فـــي بــلـــدٍ تُــنْــتَــهَــكُ حـقوقُهُ وتُسرَقُ ثروتُه النفطيَّة من القريبِ والعدوّ، وتُــبَــدَّدُ ثرواتُ أبنائِهِ بالفسادِ والتهريب، وهو بلا سلطةٍ تنفيذيَّةٍ فاعلةٍ تتربَّصُ بكلِّ ما يُهدِّدُه، وتتحمَّلُ المسؤوليَّة، وهو مُــهَـــدَّدٌ بـــالــعــتــمـــةِ ولـــم يــتـــوصـــلْ الــمــســـؤولـــون فــيـــه بــعـــدُ إلـــى حـــلٍّ لــمــشــكــلـــة الــكــهـــربـــاء وسائرِ مشاكِلِه”.

وأكّد: “هُـــوّةٌ ســحــيــقـــةٌ تــفــصـــلُ فــيــمـــا بــيـــن الــمــســـؤولـيــن، وتــفــصــلــهُـــم عـــن شــعــبِــهـــم، وحــتـــى الآن لـــم نــلــمـــسْ نــيّـــةً جـــديـــةً لإمــكـــانــيـــة الــتـــلاقـــي فــيــمـــا بــيــنــهـــم، والــبــنـــاءِ عــلـــى مـــا يـجــمــعُــهـــم، والــعــمـــلِ عــلـــى مــعـــالــجـــةِ مـــا يــفـــرّقُــهـــم”، مشيراً إلى أن “الــتــحـــذيـــرات الـــدولــيـــةُ والإتهامات الــمــتــكرِّرةُ تــتـــوالـــى لــكـــنَ الآذانَ صــمّـــاء، كــمـــا صُـــمَّـــتْ عـــن أنــيـــنِ الــشــعـــب. إذا صَــفَـــتْ الــنــيّـــاتُ واجــتــمــعـــوا، إذا وضــعـــوا مــصــلــحـــةَ لــبــنـــان فـــوقَ كـــلِّ الــمــصــالـــح، وأبــعـــدوه عـــن كـــلِّ الــمــشـــاكـــلِ الــخـــارجــيـــةِ والــمــصـــالـــحِ الــخـــاصـــة، ســـوف يــتــوصّــلـــون إلـــى حـــلٍّ يـــرضــي ضــمـــائـــرَهـــم وشــعــبَــهـــم، وســـوف يــكـــونُ لــهـــم أجـــرٌ عــنـــد الله لأنــهـــم ســاهــمـــوا فـــي إنــقـــاذ وطـــنٍ يــتــهـــاوى”.

وأمل أن “يــعـــودَ الــمــســـؤولـــون إلـــى ذواتِــهـــم ويــتــأمّــلـــوا فـــي مـــا وصـــلَ إلــيــه الـــوضـــعُ، وفـــي مـــا فــعـــلَ كـــلُّ واحـــدٍ مــنــهـــم لإذكـــاء الــصـــراعِ وتــعــقــيـــدِ الأزمـــاتِ عوضَ مــنـــعِ الإنــهــيـــار. ولــيــكـــنْ ذلـــك حـــافـــزاً لــهـــم عــلـــى الــعــمـــلِ الـــدؤوبِ مـــن أجـــل الــتـــلاقـــي وتـــألــيـــفِ حــكـــومـــةٍ تَــضْــطَــلِــعُ بـــدورٍ إنــقـــاذيٍ أصــبـــح أكــثـــرَ مـــن ضـــروري، قــبـــلَ فـــواتِ الأوان”.