المواطن اللبناني مغلوب على أمر صحّته

الصيدليات في لبنان

كتبت “مريم مجدولين لحام” في صحيفة “نداء الوطن”:

دخل تبليغ النيابة العامة التمييزية عن أفعال جُرمية تطال بمضمونها وزير الصحة حمد حسن بملف “أدوية البيومشابهة” إيرانية المنشأ، في جدلية الإطار والمضمون في غضون أربع ساعات معدودة تشابه سُرعة تسجيلها…! وذلك، بعد أن بذل أطباء “القمصان البيض” ومحامون جهداً مُقدّراً في ما جمعوه من وثائق لمحاولة احتواء “تسللها” كعقاقير غير مستوفية المعايير العالمية إلى منازل اللبنانيين، بعد أن تم تسجيلها بطرق ملتوية من دون تحليلها مخبرياً في مختبر مرجعي وإدراجها تحت خانة “استيفاء شروط الوزارة” المحتكمة للحزب!

وفي ضوء متابعة ما أشار إليه النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات، في قراره عن أن “البت بقانونية قرارات الوزير يخرج عن صلاحية النيابة العامة” لا بد من الإشارة إلى أن المطلوب لم يكن بهدف الطعن أو ابطال قرارات الوزير حكماً بقدر ما كان مقصد الأطباء والمتخصصين، إعلام النيابة العامة بخطر داهمٍ على صعيد صحي، وتسليط الضوء على مخالفة تسجيل الأدوية للإجراءات الموضوعة لحماية الأمن الصحي والإشارة إلى مخالفات جمّة تتراوح بين الغش وإساءة استعمال السلطة. كما ليس على المدعي اثبات جرمها بقدر ما هو بمثابة إنباءٍ وإعلامٍ وإنذار “بقميص أبيض” بعيد عن السياسة، يأمل تدخل النيابة العامة تحقيقاً وتأكُّداً من الوقائع المذكورة ضمناً. إلا أنه وبعد حفظ الشكوى، سيتوجه المعنيّون إلى طلب ربط النزاع وإلى مجلس شورى الدولة “دُر”. فما هي المخالفات؟

مخالفات “بالجملة والمفرّق”!

في الوقائع، صدرت دراسات عدة حول مخاطر الأدوية “البيومشابهة” غير الخاضعة للفحوصات المخبرية اللازمة، تشير إلى أنها قد تؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة بسبب صدمة الحساسية. كما أجمع الخبراء على أن المريض الذي يخضع للعلاج بواسطة الدواء “البيومشابه” بدون أن يلقى نتيجة يصبح هناك “استحالة في العودة الى استعمال الدواء الأصلي”، وهي نقطة جد خطيرة، كونها تحرم المريض حتماً من أي علاج آخر، الأمر الذي سيؤدي إلى وفاته!

وبالمقابل، تشدد منظمة الصحة العالمية على ضرورة ضبط استعمالها وإخضاع إدخالها إلى الأسواق لإجراءات صارمة، خوفاً من مضاعات خطيرة قد تصيب المرضى في حال عدم مطابقتها الدواء الأصلي. وهنا لا بد من الإشارة الى أن وزارة الصحة اللبنانية قد اعتمدت (ما قبل وزيري “حزب الله”) الآلية المطروحة من قبل منظمة الصحة العالمية في ما يختص بالأدوية البيومشابهة، والتي تفرض من الناحية التقنيّة إجراء فحوصات مخبرية للدواء البيومشابه في مختبر مرجعيّ مُعتمد، بحيث تقسم الاجراءات الواجب اتباعها إلى قسم إداري وقسم علمي صارم هدفه التأكد من التشابه بين الدواء البيومشابه والدواء البيولوجي الأصلي، ومن سلامة استعماله وإدخاله الى الأسواق.

وعلى الرغم من طبيعة هذه الإجراءات الصارمة التي من المفترض ان تكون التزمت بها الدولة اللبنانية تفاجأ العاملون في القطاع الطبي، بدخول، وبسرعة البرق، 13 دواء بيومشابهاً إيرانياً إلى الأسواق اللبنانية وتسجيلها وتسعيرها. إلا أن التبرير كل مرة يأتي من جانب الوزير “بأن المصانع الإيرانية حائزة على شهادة تصنيع وفقاً للمعايير العالمية وبالتالي الايحاء بان التسجيل أتى وفقاً للقانون” وهو ما يُعتبر غشاً و”ذر رماد في العيون” وعليه، تم غض النظر عن القانون المعتمد واعتبار أن حصول “مصانع الأدوية” على شهادات تسمح لها بالتصنيع هي كافية للتأكد من أن الأدوية صالحة للاستعمال!

كما تجدر الإشارة إلى أن جميع الأدوية البيومشابهة قد تم استقدامها عبر شركة “ليب إيران” ش.م.م (أو لبنان إيران بالمختصر) والتي لم تستكمل ملفها وفقاً للأصول قبل البدء باستيراد وبيع هذه الأدوية، علماً أنه لم يتبين للمحامين وجود أي قيود لهذه الشركة في السجل التجاري.على المقلب الآخر للأمور، لم تتوقف ارتكابات الوزيرين جبق وحسن على التسريع بالتسجيل بل تمثلت أيضاً بالموافقة على تسجيل أدوية مرجح أن تكون آثارها الجانبية كارثية على الشعب اللبناني باعتبار أن الأدوية موضوع هذا الإخبار تستعمل في علاج الأمراض المزمنة والخطيرة، من أهمها على سبيل المثال لا الحصر: “التهاب المفاصل، أمراض جهاز المناعة لدى الاطفال، أمراض سيلان الدم، سرطان الدم، سرطان الغدد الليمفاوية، تصلب متعدد وغيرها”. علماً أنه قد عانى المرضى في المكسيك من هذا الواقع المرير، اذ سجلت السلطات هناك، من دون اجراء الفحوصات اللازمة، أدوية بيومشابهة اضطرت الى سحبها من الاسواق بسبب المضاعفات التي سببتها!

رد الوزارة “غير مهني”

دان الدكتور هادي مراد رد مصادر الوزارة على استياء الأطباء على أنه “رد فعل سياسي” على زيارة الوزير حسن سوريا ووصفه بغير المهني، وتابع حديثه لـ”نداء الوطن” قائلاً “لم يعد لصوت الوزارة وقعها المعهود مع بداية حالة فرض حظر “الأصول والاجراءات القانونية والادارية المعتمدة لتسجيل الادوية والمستحضرات الصيدلانية في لبنان”، كما لم يعد التوجه إلى تسييس الصحة من المستغربات التي تستدعي التعليق. خبا ضجيج ردود الوزارة أمام هول الملف، لا بل بات مؤسفاً أن يتم تلقف مسألة اللجوء إلى القضاء من منطلق الخشية على المصلحة العامة بردٍ فحواه “فليشربوا البحر”! وهنا أود التعليق والقول: “لو أن البحر ما يريدون إشرابنا إياه لشربناه، إنما كان الأجدى بهم القول “اشربوا سم” إذ بها تليق أكثر بملف أدوية لم تستوف الشروط وتم تسجيلها على وجه مشبوه من السرعة وبشكل مخالف لمعايير منظمة الصحة العالمية وللأصول والاجراءات القانونية والادارية المعتمدة”.

وإذا كان للمواطن المغلوب على أمر صحته أن يبدي ملاحظات جدية حول مجريات “الأخذ والرد بملف على هذا القدر من الخطر” بدت محسومة قبل أن تبدأ، فهي “كفى ظلماً”، بخاصة أن اللبناني الفقير، وهم كثر في هذا المقام، سيضطر إلى استخدام البيومشابه بدل الأدوية البيولوجية الأصلية، لرخص سعره أو انقطاع الأساسي منه من الساحة، أن يقع، إن تسبب له بمضاعفات أسير دواء يضرّه ولا يمكنه استبداله ولا حتى التوقف عن استخدامه في دوامة قاتلة.