لبنان في قلب جهنم

كتب “ريمون ميشال هنود” في صحيفة “اللواء”:

يتزامن الارتفاع الجنوني في سعر صرف الدولار في لبنان مع عوامل عدة بطشت في كيان انسانه وفتتت مناعة قطاعاته المعيشية والاقتصادية وأهمها أن الأزمة اللبنانية هي أزمة نظام مع عدم تناسينا دوماً أثر العقوبات الأميركية على حزب الله والتي أثرت سلباً على الوضع المعيشي واستمرار تفشي جائحة كورونا بشكل وحشي.

وأذكر بأن الرئيس ميشال عون هو الرئيس الأوحد الذي ومنذ تاريخ 14 تشرين الأول 1990 حتى يوم انتخابه انبرى ليتحدث عن ما يسمى بالاحباط المسيحي وضرورة عودة معظم الصلاحيات إلى الرئاسة الاولى وهو الوضع الذي كان سائداً منذ عام 1943 وحتى تعطيل جلسة انتخاب النائب ميخائيل الضاهر رئيساً للجمهورية صيف 1988.

إن الكل بات يعلم اليوم بأن الاحتلال الفرنسي منح الطائفة المارونية قبل دحره عن لبنان كل الامتيازات السياسية في وطن ترتع فيه 17 طائفة على أكمل وجه ومن دون وجه حق ما أدى إلى انفجار بركان الحرب الأهلية عام 1975 ومما لا شك فيه بان محاولة اعادة عقارب الساعة إلى الوراء من قبل فريق بعبدا أطالت في عمر الفراغ الحكومي وشكلت عاملاً قوياً سبب في ارتفاع سعر الدولار لأنها انجبت صراعاً عويصاً أنتج معارك كسر عظم بين القصر الجمهوري وبيت الوسط إذ أن القصر يستميت في انجاح الهجوم المضاد الذي  استمر في شنه في محاولة منه لاستعادة مكتسبات أمه الحنون أو الجائزة الكبرى.

والملاحظ أن الوهن الممزوج بعوارض القنوط الجانبية بدأ يعتري فريق الرئاسة الاولى والأحزاب المسيحية ذات النفوذ القوي في محافظة جبل لبنان، الامر الذي جعلهم يطالبون بالفدرالية والكونفدرالية كدستور طائفي ومذهبي وعشائري وقبلي يحكم البلاد، وقد سبق لهذا المشروع أن لاقى حتفه مع دستور الاستئثار والتفرد والهيمنة في ثمانينيات القرن المنصرم، وكان يجدر حينها بالممتعضين احترام مبدأ «اكرام الميت دفنه»، بعد اتمام مراسيم الدفن وتوحيد الجيش اللبناني.

إن فدرلة لبنان ستجلب لنا شخصيات مناطقية متزمتة دينياً وكل واحدة منها ستخال نفسها الملك الفرنسي لويس الرابع عشر الذي لقب بالملك الأعظم و الذي كانت له مقولة شهيرة، أنا الدولة!!

لقد كانت شريحة كبرى من اللبنانيين تأمل من فخامة الرئيس أن يعمد إلى استكمال تطبيق اتفاق الطائف وحث كتلته النيابية الضخمة على التصويت للمادة 95 من الدستور لبناء الدولة المدنية ومن ثم العلمانية عوضاً عن سماع مفردات شد العصب المذهبي والفرز الطائفي، والمناطقي الخارجة من كهف ما يسمى بالحقوق المهدورة مجدداً وكأن المطلوب اعادة احياء هذا الخطاب، وكأن المطلوب أيضاً بأن تعود مفرداته الفئوية لتنذرنا بأنها المحارب الذي كان يستريح وقد انتهت استراحته!!

وكأن المطلوب أن تعود شعارات الأرشيف الذي كانت تملأ الصحف منذ أربعة عقود لتحتل مانشيتات الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي حالياً! لقد هتف نيتشه عندما خبر تعصب الكاثوليك في المانيا قائلاً: أنا لا أصدق أننا نعيش في القرن التاسع عشر في قلب القارة العجوز!؟

واليوم وفي لبنان إلى متى سيستمر اختطاف خرائط ورشة بناء الدولة المدنية ثم الدولة العلمانية في أقبية التعصب الديني ونحن في زمن عصر التكنولوجيا الحديثة؟ ومؤسف للغاية أن لا يصادف المرء سوى كوادر ومناصري الاحزاب المسيحية الذين يمعنون في التحدث عن جدوى مندرجات الفدرالية والكونفدرالية.

لكن أفضل رد على مطلقي هذه السموم الهدامة تكون بالترداد مع الكبير الفنان ايلي شويري، يا حبايب والله اشتقنا نار الفرقة بتحرقنا، مادام الأرض بتجمعنا مافي قوة تفرقنا. وبالترداد مع السيدة فيروز الأرض لنا وانت أخي لماذا اذاً تقاتلني هات يدك. ومع ذلك يستمر الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار في السوق السوداء اللبنانية مترافقاً مع الحديث عن نية مصرف لبنان في رفع الدعم التدريجي عن المواد و السلع الأساسية وكل ذلك في ظل تصاعد أسعار المحروقات.

أما الرئيس الأسبق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود فقد قال بأن الارتفاع المتواصل لسعر صرف الدولار مقابل الليرة سيستمر لأن لا أفقاً واضحاً للحل في لبنان ولأن الأزمة فيه  ظاهرها اقتصادي نقدي غير أن باطنها سياسي بامتياز، وتوقع حمود أن يقفز سعر الدولار إلى مستويات قياسية قد تجعله يلامس سعر 100000 ليرة لبنانية للدولار الواحد في الأشهر القادمة في حال استمرار التأزم السياسي.

أما نائب حاكم مصرف لبنان السابق سعد العنداري فأفاد بأن الأزمة الاقتصادية والمالية التي مازالت تضرب لبنان مرتبطة بالصراع الاقليمي ولا حل لها قبل انتهاء هذا الصراع ، وفي الاطار عينه يقول الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين بأننا مقبلون على كارثة تشمل كافة الصعد إذا لم يتم العثور على حل سياسي للأزمة التي نتخبط بها في حين أن رفع الدعم عن المحروقات سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في سعر صفيحتي البنزين والمازوت قد تصل إلى عتبة الثمانين الف ليرة، لذا يجب أن تتوقف سياسة دعم السلع لتحل مكانها سياسة دعم الليرة.

وبتاريخ 3 آذار 2021 أكد الخبير في الشؤون الاقتصادية الدكتور ايلي يشوعي أن الارتفاع في سعر صرف الدولار أمام الليرة يعود إلى خلل بنيوي ناجم عن الأزمة المالية والنقدية التي تعصف في لبنان ولفت يشوعي أن من أسباب ارتفاع سعر صرف الدولار هو حاجة الدولة اليه لتسديد اجور موظفيها و أضاف قائلاً أن الدولة اللبنانية لا تقوم بجبي الضرائب و الرسوم في ظل تعليق للمهل ولديها ما يقارب 300000 الف موظف بين عسكري ومدني عليها دفع أجورهم شهرياً وهي أجور تصل إلى 2 مليار دولار.

كما نفت جمعية مصارف لبنان مسؤوليتها عن الارتفاع غير المسبوق في سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية إذ اعتبرت أن السيطرة على انفلات الدولار في السوق السوداء تعتبر رهناً بتطورات سياسية تعيد منح الثقة إلى اللبنانيين عبر اعتماد سياسات احتوائية في مختلف السلطات المعنية بالسيطرة على عجوزات لبنان المالية الخارجية وأكدت بأن أسباب ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء مرده إلى الضبابية السياسية في البلاد في ظل التخبط السياسي والمناكفات، في اختفاء اي جهد جدي وحقيقي لتأليف حكومة بعد مرور سبعة أشهر من استقالة الحكومة السابقة، ومن أسباب ارتفاع سعر صرف الدولار أيضاً هو الاستيراد غير المدعوم في مصرف لبنان كما تقول الجمعية والذي تقدر قيمته بما لا يقل عن خمس مليارات دولار سنوياً، لذا يلجأ المستوردون إلى السوق السوداء لتأمين الدولارات النقدية المطلوبة.