أي فارق بين خيارات البطريرك والسيّد وهل ينجح حزب الله في إطاحة طرح التدويل؟

البطريرك الراعي

كتب “سعد الياس” في صحيفة “القدس العربي”:

باتت المطالبة بتدويل الأزمة أو بعقد مؤتمر دولي خاص من اجل إنقاذ لبنان أمراً يحتل الأولويات في البلد في ظل إلحاح البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على هذا المطلب، وفي ظل الرد المباشر الذي أتاه من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي لوّح سريعاً بأن هذا المطلب يؤدي إلى حرب أهلية، مستهجناً دعوة الراعي بقوله «ما حدا يمزح معنا».

وقد أدّى دخول نصرالله المباشر على خط الرد إلى إستنفار القوى المؤيّدة لبكركي على غرار ما فعلت تظاهرة 8 آذار عام 2005 التي استنفرت القوى السيادية فكانت حركة 14 آذار التي أدّت إلى خروج الجيش السوري من لبنان.

ويعتقد مؤيّدون لطرح البطريرك الراعي أن هذا المطلب ما زال في مرحلة التمنيات فيما تدويل السيّد حسن هو واقع مستمر منذ سنوات بخيارات إقليمية وتحديداً إيرانية. ويشيرون إلى أن التدويل الذي يقترحه الراعي هو تدويل سياسي من خلال الأمم المتحدة بالتوافق مع أغلبية اللبنانيين فيما تدويل السيّد هو عسكري أمني مفروض على أغلبية اللبنانيين.

ويرون أن تدويل الراعي يضع لبنان على سكّة الحلول ويُخرجه من الأزمة والمحاور ويضمن له العودة إلى الحضن العربي والانفتاح على المجتمع الدولي، فيما تدويل السيّد تسبّب للبنان بالعداء مع المحيط العربي وبمواجهة مع المجتمع الدولي وأدخله في محور الممانعة على حساب المصلحة العليا.

وإذا كان مؤيّدو بكركي يرفضون مخاطبتها من قبل نصرالله بالقول «ما حدا يمزح معنا» إلا أنهم يعتقدون أن الأمين العام لحزب الله لا يمزح فعلاً عندما يتعلق الأمر بسلاحه وأولوياته، حتى لو إضطره الامر إلى تكرار تجربة 7 ايار عندما إجتاح بيروت. فهو يرى الآن أن المؤتمر الدولي يشكّل تهديداً لدور حزب الله ولسلاحه ولاسيما أن المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية يصنّفه كمنظمة إرهابية، وبالتالي أي مؤتمر من هذا النوع سيضع سلاحه على الطاولة، وهذا أمر يقلقه بعدما نجح في إطاحة مقررات الحوار في الداخل اللبناني منذ عام 2006 وأقنع الرئيس اللبناني ميشال عون بعدم مناقشة الاستراتيجية الدفاعية التي لطالما وعد بها بعد انتخابه.

وإذا كان جمهور حزب الله استهزأ منذ تموز الفائت بطرح الحياد الذي دعا إليه البطريرك الماروني، إلا أن الأمين العام للحزب الذي يراقب إلحاح الراعي على الحياد وعلى المؤتمر الدولي بات يخشى من هذه الاندفاعة لدى بكركي التي سبق لأحد بطاركتها مار نصرالله بطرس صفير أن نجح بعد 5 سنوات على اطلاق النداء الشهير للمطارنة في ايلول عام 2000 في تحقيق مطلب انسحاب الجيش السوري. لذلك رفع الأمين العام لحزب الله السقف عالياً جداً ملوّحاً بأن طرح التدويل يؤدي إلى حرب أهلية، أولاً بهدف إخافة البطريرك من تداعيات طرحه وانعكاساته على المجتمع المسيحي، وثانياً بهدف إيصال رسالة إلى الفاتيكان حول خطورة هذا الطرح ووقف اندفاعة بكركي تجاهه، فيما هو يعلم أنه لا يوجد في الداخل اللبناني من هو مستعد وقادر على الدخول في حرب أهلية سوى حزبه، ولكن رغم ذلك هناك أطراف لا تقبل بأي استقواء عليها وبأي محاولات هيمنة أو استضعاف لها حتى لو اضطرها الامر إلى المواجهة، وفي طليعة هذه الأطراف القوات اللبنانية التي تعرّضت في اليومين الماضيين لحملة من جمهور حزب الله وتهديدات تحت عنوان «لا تلعبوا بالنار».

ومن شأن مشهد التظاهرة الوطنية في الصرح البطريركي التي جمعت وجوهاً من مختلف الأطياف والطوائف وليس فقط مسيحية أن يعطي دفعاً شعبياً كبيراً لخطوة سيّد بكركي، وأن يذكّر بـ»لقاء البريستول» الذي جمع وجوهاً وطنية من مختلف الأحزاب والطوائف وشكّل مدماكاً قوياً لحركة 14 آذار.

ويأتي مشهد الباحة الخارجية في بكركي ليقدّم صورة معبّرة حول بداية توحّد المعارضة تحت قيادة البطريرك بعدما فشلت ثورة 17 تشرين الأول على رغم حجمها الشعبي الواسع في خلق مثل هذه القيادة بسبب اختلاف التوجّهات بين المجموعات على الملفات غير الاجتماعية والاقتصادية، ما أدى إلى ضعفها وتشتّتها في وقت لاحق، وهو ما استفادت منه الطبقة السياسية التي عادت لتنقضّ على الانتفاضة وتطيح بآمال المنتفضين.

يُذكَر أن التدويل ليس جديداً على لبنان، وكان آخر قرار دولي صدر هو القرار 1701 في الجنوب الذي حظّر المظاهر المسلّحة جنوب نهر الليطاني بعد حرب تموز 2006 وقبله كان القرار 1559 الذي صدر عام 2004 عن مجلس الأمن الدولي وقضى بخروج القوات السورية من لبنان ونزع سلاح حزب الله. غير أن تنفيذ هذا القرار اقتصر على انسحاب القوات السورية من دون نزع سلاح حزب الله بعد الرهان على «لبننة» الحزب والتوافق على حل مشكلة السلاح بالحوار الذي تمّ من دون تحقيق أي تقدّم. ولم يكن اتفاق الدوحة بعيداً عن التدويل بنسخة عربية برعاية دولة قطر عام 2008 الذي جاء موازياً لاتفاق الطائف برعاية سعودية.

هل ستسمح الظروف المحلية والعربية والدولية بنجاح طرح البطريرك الراعي وإنقاذ لبنان من الذهاب إلى «جهنّم» أم أن حزب الله ما زال يملك أوراق قوة تتيح له الإطاحة بأي تدويل محتمل وتحويل كل القرارات حبراً على ورق كما فعل سابقاً؟