باريس قلقة من تصاعد التوتر اللبناني … واسبوعان حاسمان لحراكها الجديد

إيمانويل ماكرون و سعد الحريري

كتب “محمد بلوط” في صحيفة “الديار”:

ما الذي يعيق تقدم المبادرة الفرنسية ونجاح جهود الرئيس ماكرون المباشرة لتشكيل حكومة لبنانية للانقاذ في اسرع وقت، للانطلاق بالاصلاحات التي تشكل مدخلا اساسيا للحصول على الدعم والمساعدات الدولية من اجل وقف الانهيار الخطر للوضع اللبناني ؟ في الآونة الاخيرة نجح الرئيس الفرنسي في كسب المزيد من الدعم ، واستطاع ان يحصل تفويض اميركي من ادارة الرئيس الجديد جو بايدن بعد الاتصال الاخير بينهما ، ووفر ايضا رصيدا مقبولا من التأييد العربي والخليجي لمبادرته تجاه لبنان يمكن ان تساهم في تزخيم جهوده الناشطة الأخيرة.

لكن العقدة او التعقيدات الداخلية اللبنانية ما زالت تشكل العنصر الاساسي المعيق لتقدم المبادرة الفرنسية ونجاحها في تحقيق الخطوة الاساسية الاولى وهي تشكيل الحكومة الجديدة .

لا بل ان الخلافات اللبنانية حول الحكومة وإطالة ازمتها منذ ما يزيد على ثلاثة اشهر ونصف الشهر في ظل الوضع اللبناني المتأزم فتح الباب امام تزايد التداعيات ليس الاقتصادية والاجتماعية فحسب بل ايضا السياسية بحيث اتسعت حدة التجاذبات والصراعات وارتفعت وتيرتها على غير صعيد .

ووفقا للمعلومات المتوافرة من مصادر مطلعة فإن باريس، بعد المنشطات الاخيرة، عازمة على المضي بتزخيم تحركها في كل الاتجاهات بما في ذلك الاطراف اللبنانية. لذلك فان الايام المقبلة او على الاكثر الاسبوعين المقبلين سيشكلان نقلة نقلة نوعية وامتحانا في الوقت نفسه للمبادرة الفرنسية وقدرتها في التغلب على المطبات والتعقيدات اللبنانية الداخلية باتجاه تحقيق ابرز اولوياتها وهي تشكيل الحكومة.

ووفقا للمصادر فإن فرنسا المرتاحة لنجاح وكسب المزيد من الدعم لمبادرتها، تشعر في الوقت نفسه بالقلق من الاجواء والتوتر المتصاعد على الساحة السياسية اللبنانية الذي تجاوز موضوع الحكومة في الايام الاخيرة لقضايا اخرى من شأنها ان تزيد الانقاسامات بين اللبنانيين وتساهم في تعقيد الوضع بدلا من تحقيق اكبر قدر من التفاهم او على الاقل التقارب بين الاطراف والقوى السياسية لتحقيق تطلعات الشعب اللبناني .

لذلك لا تستبعد المصادر ان تبادر باريس في الايام المقبلة الى تزخيم وتوسيع اتصالاتها وتحركها مع الاطراف والمراجع اللبنانية ، مع العلم انها بدأت هذه الاتصالات مع الرئيسين عون والحريري الذي يتردد انه على تواصل مع القيادة الفرنسية خلال وجوده خارج لبنان، حيث تحاط حركته بنوع من التحفظ والسرية بعد زيارته الاخيرة للقاهرة.

وترى المصادر المطلعة ان هناك نوعا من السباق بين الحراك الفرنسي وبين تصاعد التوتر على الساحة اللبنانية الذي بدأ يأخذ منحى مقلقا في الآونة الاخيرة.

وفي ظل هذا المشهد المتصل بالمبادرة الفرنسية والتوتر اللبناني الداخلي برز ارتفاع منسوب الخطاب السياسي للبطريرك الماروني بشارة الراعي بدعوته اللافتة في هذا الوقت بالذات الى طرح قضية لبنان في مؤتمر دولي برعاية الامم المتحدة وجامعة الدول العربية ، مضيفا عنصرا قديما جديدا من عناصر زيادة الانقسامات في لبنان ، خصوصا ان التجارب وما شهده لبنان في مراحل عديدة برهنت ان مثل هذه الطروحات غير مجدية بل تزيد من تأزيم الوضع اللبناني .

ويقول مصدر سياسي بارز ان مطالبة بكركي بتدويل الازمة وان كان من باب الرغبة في انقاذ لبنان تضرّ عن قصد او غير قصد المبادرة الفرنسية وتخلق وتزيد الشكوك حول نجاحها في وقت يجتهد الرئيس ماكرون بكل السبل لتعزيزها وتفعيلها لمساعدة لبنان واللبنانيين.

وبرأي المصدر ان لا بديل في الوقت الحاضر عن هذه المبادرة ، مشيرا الى انها ما زالت الباب الوحيد حتى الآن لولوج الحلول المنشودة.

ويضيف ان مسألة تدويل الازمة اللبنانية ليست جديدة ، فقد جرت محاولات وتجارب سابقة ولم تنجح بل خلقت ازمات اضافية وولدت صراعات وصدامات كادت ان تطيح لبنان.

ويمكن ان تفتح مثل هذه الدعوات جروحا جديدة في الجسم اللبناني المثخن اصلا بالجراح وتساهم في الانقسامات بين اللبنانيين، وهذا طبعا لا يريده ولا ينشده البطريرك الراعي الحريص اولا وآخرا على لبنان واللبنانيين، والساعي الى انقاذه مما يتخبط فيه .

وبرأي المصدر ان دعوة بكركي المتسرعة لا تأخذ بعين الاعتبار الاجواء والمناخات الدولية والاقليمية السائدة ، فالتطورات الحاصلة اليوم تؤشر مع الادارة الاميركية الجديدة الى ان هناك حراكا جديا لمعالجة بعض الملفات الساخنة في المنطقة باسلوب المفاوضات ومقاربة الحلول السياسية اكان ما جرى او يجري في ليبيا ام في اليمن او في ما يتعلق بالملف الايراني الذي اعيد الى دائرة التفاوض بدلا من حرب الحصارات والضغوط التي مارسها ترامب وادارته. ومما لا شك فيه ان تدويل الازمة اللبنانية يعقدها ويزيد التوتر ليس في لبنان فحسب بل ايضا في المنطقة ، وبالتالي لا يتناسب مع ما تشهده المنطقة اليوم.

من هنا، يضيف المصدر، ان التعاطي مع لبنان لن يشذ عن قاعدة ما يحري بالنسبة للمنطقة ، وبالتالي فان المعطيات الدولية الراهنة تتعارض مع اي طرح يزيد من تأزم الموقف في لبنان وتفجير الوضع فيه .

ويخلص المصدر الى القول ان دعوة بكركي الى تدويل ازمة لبنان خطوة خطرة وتصيب المبادرة الفرنسية وما يعول عليها . لكن التفسير الوحيد الايجابي لها هو انها ربما تندرج في اطار رغبة غبطته في رفع الصوت تجاه المسؤولين والاطراف السياسية للافراج عن الحلول وتشكيل الحكومة بعد ان استنفد كل الوسائل والسبل والنصائح لتحقيق هذا الهدف.

ولا يشك احد في ان البطريرك الراعي سعى بكل جهده لدعم المبادرة الفرنسية وانجاحها ، بدليل ملاقاتها في مسعاه الاخير ومحاولاته الدؤوبة لجمع الرئيسين عون والحريري مجددا في اطار المضي بهذه المبادرة وتحقيق اهدافها.