لبنان عالق بين سيناريوهات «الفوضى المضبوطة» واختبار «حسن النوايا»

لبنان

يسيرُ لبنان بقوة نحو الهاوية السحيقة وسط شللٍ سياسي قاتل وأزمة اقتصادية خانقة وانهيار مالي مُريع يهدّد بضياع ما تبقى من مدخرات اللبنانيين في المصارف. ما يزيدُ على أشهر ثلاثة مرّت على تكليف زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري بتأليف الحكومة من دون تحقيق اختراق يُفضي إلى التشكيل بمواصفات «المبادرة الفرنسية» كشرط أساسي لإبطاء مسار السقوط إلى القعر. أقصى ما يدور الحديث عنه هو «حكومة إدارة أزمة» على الرغم من أن الطموحات الفرنسية ترقى إلى «حكومة مهمة» تأتي بإصلاحات بنيوية في الإدارة والمؤسسات والقطاعات التي تستنزفُ قدرات الدولة بفعل الهدر والفساد والسرقة والنهب ومنطق المحاصصة الذي اعتمدته المنظومة الحاكمة ولا تزال.

ولكن حتى «حكومة إدارة أزمة» ما زال طريقها غير معبّد بفعل الحسابات المعقدة للأطراف الداخلية القائمة على الاستحقاقات الدستورية المقبلة من انتخابات تشريعية ورئاسية، وبفعل تحوّل الساحة اللبنانية صندوقة بريد بين طهران وواشنطن ومكاناً لاختبار حُسْن النوايا، وتَوجّه «حزب الله» الحاسم بعدم التفريط بالورقة اللبنانية التي يوظفها في إطار مشروعه الاستراتيجي، في لحظة مصيرية بالنسبة لإيران مع بدء ولاية الرئيس الأمريكي جو بايدن.

على أن السؤال الذي يطرح نفسه يتمحور حول مدى قدرة الطبقة الحاكمة على ضبط الشارع إذا ما شهدت البلاد نسخة ثانية من ثورة 17 تشرين الأول 2019 أو احتجاجات متنقلة أو أعمال فوضى اجتماعية كرد فعل على الانهيار المتمادي لقيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، حيث يلامس سعر الصرف 9000 ليرة للدولار الواحد في السوق السوداء مقابل سعرين رسميين ما بين 1500 و3900 ليرة وأسعار متعددة تتحكّم بها القطاعات والتجّار، وموقف طبيعي إزاء حال العَوَز الذي بات يصيب شرائح كبيرة من المجتمع اللبناني.

فقبل نحو أسبوعين شهدت مدينة طرابلس عاصمة لبنان الشمالي حركة احتجاجات شعبية، لكن سرعان ما تحوّلت بعد أيام قليلة إلى أعمال شغب وحرق بدا أنها مُبرمجة طالت السراي الحكومي والمقر البلدي وبعض المؤسسات. ورغم أن التحقيقات في لبنان لا تصل إلى أي خلاصات أو نتائج، فإن المتابعين لأوضاع المدينة خلال جولات الحرب المتعددة يعرفون جيداً وجوه عملاء الأجهزة والمجموعات الأمنية والحزبية من المنطقة التي تنزل على الأرض، وماهية الأدوار التي تُوكَل إليهم، لكن ما هالهم هو رؤية الجيش اللبناني في موقف المتفرّج على عمليات التخريب والحرق، تحت حجة أن لا أوامر لديهم بالاصطدام مع الناس، في وقت تُركت الأملاك العامة والخاصة لمصيرها، حتى علت صرخات سياسيين من المدينة مهددين باللجوء إلى حماية من خارج مفهوم الدولة ما دامت تتقاعس عن أداء واجبها، وكان بيان شديد اللهجة من الحريري الذي تُعتبر طرابلس حاضنته الشعبية كمدينة ذات أغلبية سنية.

لعبة الضغوط على الحريري

وذهبت السيناريوهات المتعددة إلى إدراج ما جرى في لعبة الضغوط على الحريري وتصفية الحسابات ومحاولات توريط للقوى الأمنية والعسكرية في وجه الناس بما يخلق حال من الفوضى الأمنية والفلتان واستهداف المؤسسات والمتاجر والمحال، وهو فصل سبق أن عاشه الطرابلسيون سابقاً في حروب ماضية بأجندات إقليمية. فما حصل بالأمس كان مختلفاً عن مشهد الاعتراض والاحتجاج الذي طبع المدينة مع ثورة 17 تشرين الأول والذي حازت معه على لقب «عروس الثورة». صحيح أن موجة الشغب ضُبطت، لكن المخاوف لا تزال قائمة من موجات أخرى، ذلك أن المراقبين يرون أن الأرضية في «الفيحاء» خصبة بفعل عوامل الفقر ونسبة البطالة المرتفعة من جهة، وقدرة الأفكار المتطرفة على التغلغل في تلك البيئة المحافظة التي تشعر بالتهميش من الدولة، من جهة ثانية.

كان ثمة تساؤل عما إذا كان يمكن لأحداث طرابلس أن تحدث اختراقاً في جدار الأزمة السياسية المستفحلة في البلاد والتي تنعكس تعطيلاً وعجزاً في إمكانية تأليف حكومة جديدة؟

الانطباع السائد أن حال المراوحة ستسود لأشهر، ما يفتح المجال لمزيد من اللعب في الوقت الضائع لتحسين المواقع والشروط. هذا على أقله هو حال فريق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي يخوض «معركة حياة أو موت» من أجل إعادة تعويم «وريثه السياسي» جبران باسيل كمرشح قوي لرئاسة الجمهورية في مواجهة رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية أحد حلفاء «حزب الله» ونظام بشار الأسد، وقائد الجيش الحالي جوزاف عون الذي يُنظر إليه كمرشح محتمل انطلاقاً من الدور الذي تلعبه المؤسسة العسكرية كمؤسسة جامعة على المستوى الوطني والأكثر صدقية وثقة لدى المجتمع الدولي.

هاجس صهر رئيس الجمهورية الاستحواذ على أوراق قوية بيده. وإحدى هذه الأوراق هي ضمان الثلث المعُطل لتياره في حكومة الحريري، ذلك أنه مع الفراغ في سدّة الرئاسة الأولى ستذهب صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، ومن دون ثلث معطل لباسيل، يُصبح رئيس الحكومة متحكماً بالقرار. غير أن هذه المرافعة لرئيس «التيار الوطني الحر» لا تستقيم، ذلك أن الحريري لا يُمكنه أن يملكَ غالبية الثلثين المطلوبة للقرارات الكبرى في البلاد، وباسيل مع الحصة المحسوبة لصالح حليفه «حزب الله» يحصل على الضمانة التي يُطالب بها، لكنه في حقيقة الأمر يُريد ثلثاً معطلاً صافياً له من دون حلفائه ما يعطيه القدرة على المناورة بشكل أكبر.

نار الصراع المذهبي

هذه المطالبة بـ»الثلث المعطّل» تصطدم ظاهراً برفض الحريري إلا أنها لا تحظى ضمنياً بموافقة «الثنائي الشيعي»، فالحزب انكفأ عن مشهد اشتباك الحريري مع عون – باسيل مراعاة للحليف المسيحي الذي كان تلقى ضربة قاصمة من واشنطن مع إدراجه من قبل وزارة الخزانة على لوائح العقوبات الأمريكية من باب الفساد، إنما بخلفية تحالفاته السياسية مع «الحزب» الذي تصنّفه أمريكا منظمة إرهابية. ويأخذ عليه رئيس الجمهورية وصهره على أنه فتح الطريق أمام الحريري للعودة إلى الرئاسة الثالثة بعدما كانا نجحا – عقب استقالته بعد ثورة 17 تشرين الأول وبمباركة «حزب الله» – بالإتيان بحكومة حسان دياب، وهي حكومة اللون الواحد المحسوبة على «محور إيران» المتصادمة مع العمق العربي.

لا يُشكّل الحريري بالنسبة إلى «حزب الله» عامل استفزاز في الوقت الراهن. فالرجل هادن الحزب انطلاقاً من اقتناعه أن موازين القوى في المنطقة مختلة، وأن ما حلّ بالسنّة في العراق وسوريا الذين تحولوا في غالبيتهم نازحين ومهجرين كفيلة بجعله يتوجّس من مصير مشابه في حال حصل انفجار سني – شيعي في لبنان. يعتبرُ «حزب الله» أن اتّقاء نار الصراع المذهبي أولوية له، وبالتالي، فإن وجود الحريري في الموقع السنّي الأول في البلاد كونه الزعيم الأكثر تمثيلاً في طائفته يُزيح الشعور بالغبن والاقصاء والاستئثار. إنه قرار ينطلقُ من الحاجة إلى حماية المشروع الاستراتيجي لـ»الحزب» أكثر مما هو قناعة راسخة بالرجل.

فأهداف «حزب الله» داخلياً، والتي استطاع تحقيقها من خلال قانون الانتخاب على أساس النسبية، تجسّدت في اختراق الطوائف الأخرى بحلفاء له، ما مكّنه من الحصول على الأكثرية النيابية في البرلمان، لكن تجربة «حكومة اللون الواحد» وُلدت ميتة مع ما واجهته من قطيعة عربية وعدم القدرة على كسب ثقة الخارج.

اليوم، يحاول الحريري أن يؤلّف حكومة غير سياسية يُبعد عنها شبح التعطيل الذي رافق حكومتين له في عهد عون. يتّكئ على مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي حملها للقادة اللبنانيين بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من 4 آب، والذي دمر جزءاً كبيراً من المدينة وأوقع ما يزيد من 200 قتيل و6000 جريح وشرّد مئات الآلاف، فيما لبنان غارق في أزماته المالية والاقتصادية وتداعيات جائحة كورونا التي أخفقت الحكومة في احتوائها، وزاد اخفاقها بعد استقالتها وتَحَوُّلها إلى حكومة تصريف أعمال.

المبادرة الفرنسية

هناك مَن يعتقدُ بقوة بأن المبادرة الفرنسية قد جرى استنزافها بعد نحو خمسة أشهر من طرحها، رغم تأكيد ماكرون قبل أيام أنها الحل الوحيد الموجود على الطاولة. ماكرون عاد ليتحرّكَ بعد تنصيب بايدن ومحادثات بين الرجلين في الملفّين الإيراني واللبناني، وهو قال إنه سيأتي إلى لبنان في زيارة ثالثة، ولكن بحذرٍ أكبر بعد خيبات الأمل التي أُصيب بها.

عادت الحركة إلى ملف تأليف الحكومة. قصد الحريري القاهرة التي تقفُ خلف باريس لتسهيل مهمتها، وتوجّه صوب الإمارات. يسعى الحريري إلى دعم مهمته الإنقاذية في المال والاقتصاد، من خلال إنشاء صندوق عربي. جديدٌ هذا الطرح فيما كان الحديث يدور عن مؤتمر «سيدر» وكيفية وضعه موضع التنفيذ بعد تأليف الحكومة والمباشرة بالإصلاحات التي يطلبها المجتمع الدولي والتفاوض مع صندوق النقد الدولي. تغيب المشكلة السياسية من قاموس الحريري، وكأنه يُرحّلها إلى أن يحين أوان التسوية الكبرى في المنطقة. يستندُ إلى سياسة تدوير الزوايا، في رهان أن باريس وواشنطن قد يفتحا الطريق أمامه خليجياً ولا سيما سعودياً بمساندة من أبو ظبي والقاهرة.

قليلة هي موجة التفاؤل بالقدرة على إحداث اختراق، لكن عاملين على خط الوساطة الداخلية والإقليمية يتحدثون عن أن عناصر داخلية وخارجية دخلت على الملف اللبناني، ولا بد من أن تؤول إلى تأليف الحكومة، ذلك أن الوضع ما عاد يحتملُ مزيداً من تمترس الأطراف وراء شروطها في عملية التأليف. فالبقاء في الجمود الحالي من شأنه أن يأخذَ لبنان إلى فصول جديدة من العنف المضبوط على شاكلة فوضى أمنية متنقلة، غير أن ما بدا لافتاً خلال الأسابيع الماضية تجدّد الحديث عن خلايا إرهابية نائمة ومجموعات متطرفة في المناطق الحدودية بدأت تتحرّك على وقع الانتعاش الذي شهده تنظيم «داعش» في البادية السورية. ورغم الإعلان عن توقيف إحدى المجموعات مؤخراً، فإن هناك مخاوف مشروعة من العودة إلى الاستثمار السياسي في تضخيم موضوع الإرهاب وتحريك خلاياه، تماماً كما في إشاعة مناخ عودة مرتقبة لموجة جديدة من الاغتيالات السياسية، قد يكون شكَّل اغتيال المفكر والناشط السياسي لقمان سليم يوم الخميس الماضي أولى حلقاتها.

عمليات تصفية

حصلت خلال الأشهر الماضية عمليات تصفية لأشخاص على خلفية انفجار المرفأ ومحاولات إفراغ الملف من خيوط يمكن أن تُوصل إلى حقيقة من أتى بنيترات الأمونيوم ولمصلحة أي جهة ومَن خزّنها، وكيف حدث الانفجار المروّع. توجه على الدوام أسئلة من قلة سياسية عن مسار التحقيق. وكانت هناك اتهامات مباشرة وغير مباشرة لـ»حزب الله» بأن العنبر رقم 12 في المرفأ الذي خُـزّنت فيه نيترات الأمونيوم يقع تحت هيمنته الأمنية، وكان لقمان سليم من الأشخاص الذين وجّهوا الاتهام لـ»الحزب» الذي قرّر أن يرفع دعاوى قضائية ضد من يتهمه بذلك، فخص دعوته الأولى المنسق العام السابق لقوى «الرابع عشر من آذار» فارس سعيد، وإلى موقع «القوات اللبنانية» ومن ثم بهاء الحريري، مع وعد باستكمالها لتشمل كل من اتّهم الحزب، وكان منطقياً أن يكون الناشط سليم في عداد من يتهمهم «الحزب» بالتحريض عليه.

لقمان سليم سليل عائلة سياسية من قلب ضاحية بيروت الجنوبية. والده كان محامياً ونائباً في البرلمان ومدافعاً عن القيم والحقوق الإنسانية. ينتمي إلى الطائفة الشيعية وعُرف بمعارضته الشديدة لـ»حزب الله» ولسطوة إيران على لبنان وتمّ تخوينه مراراً وتلقى تهديدات، وعُلّقت ملصقات على جدران دارته حضر فيها «كاتم الصوت» الذي استُخدم في عملية اغتياله بعد خطفه من بلدة تقع في منطقة نفوذ «حزب الله» في الجنوب.

كانت الأوساط السياسية تتداول منذ فترة معلومات عن احتمالات عودة الاغتيالات السياسية في البلاد. مَن اغتال سابقاً أهم وأبرز رموز وكوادر قيادية في قوى «الرابع عشر من آذار» لم يكن مجهولاً، بل أراد أن ينتهجُ لغة القتل كوسيلة سياسية لتدجين الآخر إنفاذاً لأجندات ما فوق لبنانية. لغة القتل توقفت في العام 2013 بعد تفاهمات كبرى. اليوم استؤنفت، والسؤال ما إذا كان اغتيال لقمان سليم الذي بدا وكأنه تنفيذ لحكم إعدام بعد تعذيب هو بداية موجة ثانية من الاغتيالات تؤذن بدخول البلاد زمناً جديداً في ظل الشعور بانسداد أفق الحل، أم أنه يأتي في سياق منفصل عن تصفيات سياسية تعجّ أخبارها في المجالس؟

مهما يكن، فالبلاد تنتظر قدرها المحتوم الآتي حكماً.