إغتيال لقمان سليم… قتلوه ولم يخافوا

كتبت “نوال نصر” في صحيفة “نداء الوطن”:

هو فجر الرابع من هذا الشهر، فجر الرابع من شباط، بعد ستة أشهر بالتمام والكمال من غروب الرابع من آب. وها هي صديقة لقمان سليم الشريرة التي يستخدمها “هاشتاغ” في الدلالة الى “أسرار البلد” مستيقظة جداً تراقب عملية قتل كاملة تحت ضوء القمر، عملية أسكتت صوته، بخمس رصاصات، أربع منها مباشرة في الرأس. لقمان سليم، أو لقمن سليم (كما كان يكتب اسمه) ضحيّة جرأته في قول الحقّ. وتكراره: لا أخاف من الموت بل أخشى على الحقّ والحرية والدولة ولبنان. لم يخَف هو. وها قد قُتل. ها قد اغتيل. وماذا بعد؟

أطفأ سيجارته ولفظ العمر ورحل. ومن بين آخر ما كتب عن #صديقته_الشريرة كان “نوم اللبنانيين ثقيل”. اللبنانيون الذين ما عادوا قادرين على التمييز، بسبب وابل ما يصيبهم، إستفاقوا البارحة من النوم الثقيل على خبر اغتياله. فمن يجرؤ على قتل لقمان سليم في منطقة ممسوكة بالكامل من ميليشيا طالما وخزها بدبابيسه، دبابيس جرأته في قول الحق، غير مبال بخطر يحدق به جراء ذلك. فهل صحيح أن “حزب الله” هو من نفذ به حكم الإعدام كما ذهبت الشكوك والإتهامات الأولية؟ هناك من قد لا يرضيه هذا الكلام معتبراً أنه متسرّع. لكن، لو أتيح له أن يجيبنا، كما دائماً، عبر هاتفه عن سؤال: من قتلك؟ فربما كان سيكرر ما قاله سابقاً بعبارته الدائمة “إنني أحمّل قوى الأمر الواقع ممثلة بشخص السيد حسن نصرالله وبشخص الأستاذ نبيه بري المسؤولية التامة عما جرى”. هذا ما سبق وكتبه. وهذا ما كرره. ولكن هل كانت ظنونه في محلها؟ وهل يمكن أن يكشف التحقيق الحقيقة؟

إغتيل الناشط السياسي لقمان سليم. فماذا في الخيوط الأولية؟ هو اعتاد منذ زمن على التنقل في سيارات مستأجرة. هو لا يخاف الموت لكنه يريد أن يبقى الحصرمة التي تلفظ بالحق. لهذا استمرّ في تمويه جولاته في سيارات مستأجرة. صعد الى قلب الجنوب، الى نيحا، زار صديقه محمد الأمين، في حضور صديقهما الآخر شبيب الأمين وغادر نحو الثامنة. وقتل بعد ساعات أربع ووجدت جثته على طريق فرعية في العدوسية. ورمي هاتفه الخلوي بالقرب من منزل صديقه في نيحا. ما معناه أنه خطف فور خروجه. فمن يملك القدرة هناك على الخطف والإنتقال من مكان الى مكان، ثم القتل في منطقة إذا عبرناها مرتين نرى من يتعقبنا فيها؟

شقيقته رشا في حال بين الوعي واللاوعي. هي لا تصدق بعد أن شقيقها قد انتهى. لكنها بعدما استجمعت قواها قالت: “القاتل معروف”. وهو، لقمان، أكثر من كان يعرف أن محاولات اغتياله لم تتوقف يوماً. فساعة يقولون عنه “هذا هو شيعي السفارة” ومرة يقولون عنه “هذا هو العميل الصهيوني”. وهو مدرك تماماً أن في هذا الكلام “إباحة سفك دمائه”. هو إبن حارة حريك، مؤسس “أمم للأبحاث والتوثيق”. وهو طالما رفض فكرة “أن التطرق الى سلاح حزب الله تابو”. هو لم يلتزم “بالتابوهات” الحزبلاهية. فهل هذا سبب إغتياله؟ هل قتل لأنه أراد تفكيك المشهد “البازل” الذي حصل في 4 آب؟ هل قتل لأنه أسقط ورقة التوت (في لقاء على شاشة الحدث) أمام جريمة عصر قتلت أكثر من 200 بريء وهدمت عاصمة في أقل من لحظة واحدة؟ هو قال قبل أيام إننا أمام جريمة رسمت في بيروت- موسكو- دمشق- إيران. ونفذت هنا. والمنفذ يملك القدرة على التخويف. هو لم يخَف من أحد. لهذا اغتيل. لكن، هل يمكن أن يكون “حزب الله” بالفعل، لا بمجرد القول، من نفذ الجريمة؟

هناك من يقول أن لقمان سليم يواجه ميليشيا “حزب الله” منذ زمن فلماذا يقوم “الحزب” باغتياله اليوم؟ لماذا ينفذ “حزب الله” جريمة وهو أكثر العارفين أن كل أصابع الإتهام أول ما ستتوجه إليه؟ حارث شهاب، رفيق لقمان في المعارضة والعناد، يقول: لقمان هُدد مرات وخوّن وكُتبت على جدران بيته عبارات وشعارات “جاييك الدور”. واليوم، بعد أن بدأت البيئة الشيعية تنتفض من الداخل أصبح صوته يخيف أكثر. أصبحت جرأته تخيف. واغتياله هو خطوة جديدة في سبيل إسكات صوت المعارضة الشيعية. وحدثت عملية الإغتيال في لحظة تبدأ فيها المفاوضات الإيرانية- الأميركية. ومن عادات أنظمة الإستبداد حين تريد حلّ مشاكلها مع الغرب المسارعة الى قمع الأصوات المعارضة في الداخل”. نجح من نجح في اغتيال الصوت الصارخ في البرية اللبنانية. وهذا ما حدث قبل حين مع مهدي عامل وحسين مروة ومصطفى جحا وكاد يتكرر مع العلامة السيد علي الأمين، إبن بلدة قلاويه. كلّ التحليلات أخذت الشكوك نحو “الحزب”.

وهذا ما يحصل اليوم مع اغتيال لقمان سليم. مصطفى جحا، إبن المفكر والكاتب مصطفى جحا، سبق وقال: “حزب الله هو من قتل والدي”. والده قتل يوم انتقد الوجود السوري في كتابه “لبنان في ظلال البعث”، وانتقد الفكر الخميني في كتابه “الخميني يغتال زرادشت”.

فصدرت فتوى بتكفيره لأنه نادى قائلاً: “بدي لبنان يكون لبناني”. وقيل عنه: “هذا هو الكافر المرتدّ”. وكلنا نعلم أن التكفير هو حكم بالإعدام. يومها صدر الحكم بإسكات كل أصوات المعارضة للفكر الراديكالي. ونُفذ الحكم أيضا في حسين مروة وفي مهدي عامل. وبانت الرسالة واضحة مثل الشمس. وفتحت تحقيقات وأقفلت على “ولا شي”.

إقرار بلسانه

واليوم نسمع من يتحدث عن تحقيق جديد “جديّ” في قضية إغتيال الصوت الشيعي الجريء لقمان سليم. فهل علينا أن نصدق أن هذا التحقيق ستكون له خواتيم تقول “للأعور أعور” وهذا هو الخيط الأبيض في الثوب الأسود؟

لقمان سليم “عطانا عمره”. هذا أسهل ما قد نسمعه. ولكن أيّ عمر هذا يبقى في زمن تتفلت فيه كل المعايير، بحسب ما قاله لنا خليل الخليل (سفير لبنان سابقاً في إيران على مدى دورتين). هو قال: “يا لحرية الرأي التي يخبروننا إياها في زمن منهوك، يستباح يومياً بكل انواع الإنتهاكات”. إغتيل لقمان سليم، الناشط الأكثر جرأة، والصوت الشيعي اللبناني الذي لم يهَب قول ما يُفترض أن يقال حتى ولو كان جميع اللبنانيين في “النوم الثقيل”. الإغتيال سهل. قتل الكلمة أصعب بكثير. بعض رفاق لقمان إلتقوا البارحة في سيدة الجبل مستنكرين، مطالبين “حزب الله”، الذي جرى الإغتيال في منطقة نفوذه، بإخبار اللبنانيين كيف حصلت الجريمة.

هؤلاء ذيلوا ما ضمنوه في البيان الإستنكاري بعبارة: أيها اللبنانيون لا تخافوا، لا تتراجعوا، لبنان لكل حرّ. لبنان لكلّ حرة. لبنان وطن وليس ساحة”. لكن لو قُدّر للقمان أن يزيد على البيان لكان كتب: عن #صديقتي_الشريرة اللبنانيون خائفون من قتل الأصوات الجريئة. اللبنانيون يريدون أفعالاً لا أقوالاً. اللبنانيون إستفاقوا البارحة لكنهم قد يعودون، لكثرة ما أنهكوا، ويغطون في النوم الثقيل. ثمة مقولة هندية قديمة “إذا أردت قتل الأرنب فاحمل السلاح الذي يردي النمر”. هناك من يقتلون النمور في سبيل إخافة الأرانب.

هناك كثيرون سيُخيفهم ما حلّ بالنمر المغتال وهذا ما يريده القتلة. ولكن، لا بُدّ أن يستيقظ الجميع ذات حين. فما قال وكرر لقمان سليم طوال عقدين، بكل جرأة، لا بُدّ أن يكون قد شكل نواة وعي لدى بعض الجماعة. هو لم يتعب من التكرار ومن الردّ والإجابة والإسهاب والشرح ولو عاد الى الوراء لجدد الشرح والإسهاب والإجابة والردّ. هو لم يتعب يوماً. رهيب كان هذا الرجل الذي امتلك قلب نمر.

واليوم بعدما قال: “إننا أصبحنا أمام “بازل” تكتمل تفاصيله”، قُتل. ولقمان، لمن لا يزال لا يعرفه، يحب التفاصيل بما فيها المملة، ويبتعد بعد السماء عن الأرض في “الكليات”. فهو عرف دائماً أن الشيطان يكمن في التفاصيل. لا يقل أحد اليوم مات لقمان سليم وما نفع التفاصيل، ولنترك القضاء يعمل، بل صدقوا أن السرّ فيها. “راح لقمان لقمة سائغة”. هذا ما ردده البارحة كثير من محبيه. وكثيرون من كارهيه كتبوا كلمات نابية. وهناك من غرّد ومحا. جواد حسن نصرالله غرّد “خسارة البعض هي في الحقيقة ربح ولطف غير محسوب. #بلا_أسف”. وعاد ومحا.

وماذا بعد؟

معارضون كثيرون عاشوا البارحة صدمة. هناك من بكوا. وهناك من حكوا. وهناك من ينتظرون كيف ستتعامل الدولة مع هذا الإغتيال الجديد، الذي أعاد لبنان أعواماً الى الوراء، وراحوا يعدون أسماء إنتهت ملفاتها تحت التراب: فمن قتل بيار الجميل؟

ومن قتل جبران تويني ووليد عيدو وأنطوان غانم ومحمد شطح ووسام الحسن ووسام عيد وجورج حاوي وسمير قصير وباسل فليحان وفرانسوا الحاج؟ ومن قتل رمزي عيراني وجوزف صادر؟ هل علينا أن نسأل بعد سنين طويلة: من قتل لقمان سليم؟