عازار: دعم المدارس لا يقلّ أهميّة عن دعم المستشفيات اليوم

الأب بطرس عازار

كتبت “ناريمان شلالا” في صحيفة “الديار”:

يُجمع القيّيمون على القطاع التربوي، على أنّ إنتشار فيروس الكورونا و رغم مساوئه وتداعياته السلبية على كافة الأصعدة، إلا أنّه قد حقّق قفزة نوعية حتميّة في التربية. ويعتبرون أنّه كان من الضروري إتّباع نظام التعليم عن بُعد، منذ ما قبل جائحة الكورونا، لأنّ دمج التكنولوجيا في التعليم يساعد في تطوّر المناهج والطرق التعليمية. في المقابل، يعاني أهالي التلاميذ من مشاكل عديدة في تأمين الأدوات اللازمة، والتي تسمح لأبنائهم بمتابعة صفوفهم كما يجب. فبالإضافة إلى إنقطاع التيار الكهربائي المستمرّ، هم غير قادرين على تأمين الحواسيب وخدمة الإنترنت ذات الجودة العالية، في بلدٍ يحرمهم حتّى من لقمة عيشهم ومن حبّة دواء. كيف يُمكن للتلاميذ بأن يتابعوا حصصهم، بحال كان هناك تلميذان أو أكثر في البيت الواحد؟ يبدو أنّ هذا الأسلوب المستجدّ، يعزّز الطبقية في التعليم ولا يؤمّن المساواة، وبخاصّة للمناطق البعيدة والمحرومة.

 عدم تشريع «التعليم عن بُعد» 

تترافق الصعوبات التي يواجهها الأهالي، مع إقتناعهم بعدم جدّية وفاعليّة التعلّم عن بُعد. ويرى الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار، أنّ المساعي لإنجاح هذا النظام لا تزال فرديّة، وذلك بسبب عدم مبادرة الدولة وتحديدًا وزارة التربية، في تشريع هذا النظام التعليمي واعتباره بمثابة التعليم الحضوري. يقول الأمين العام، أنّ الدولة وعند انطلاقة إجراءات التعبئة العامة في العام الدراسي 2019-2020، قامت بإنهاء العام الدراسي عن طريق منح إفادات للتلاميذ، حينها لم تستقل الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية من دورها. بل تابعت المدارس الخاصة صفوفها. وباشرت الأمانة العامة، منذ ذلك الحين في تنظيم المؤتمرات والدورات التدريبية، التي كان من شأنها أن تؤهّل الإدارات والأساتذة للعام الدراسي 2020-2021، من أجل المضي في التعليم عن بُعد بحرفية. وفي هذا الإطار، تمّ التواصل مع «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» ومؤسسة «كتابي»، وجرى التعاون بهدف تدريب مدرّبين متخصصين لتدريب الأساتذة في المدارس الخاصة، على غرار ما حصل في المدارس العامة. ويتحدّث الأمين العام عن سعيه الدّائم لتعزيز دور التكنولوجيا في المناهج التعليمية، غير أنّه يتوقّف عند أهميّة دخول العالم الرقمي، والذي يتطلّب قدر من المسؤولية والدراية والوعي في مواكبة العصر، ولهذا السبب فإنّ الأمانة العامة في لبنان على تواصل وتنسيق مستمرين مع الأمانة العامة الفرنسية. بحسب الأب عازار، فإنّ أهميّة التعليم عن بُعد لا يجرّد التعليم الحضوري من أهميّته، إذ أنّه يوطد العلاقات الإجتماعية والإنسانية.

عن المشاكل التقنية والعمليّة التي تعرقل الصفوف أونلاين، يطالب الأب بطرس عازار الدولة اللبنانية، بتأمين الكهرباء والإنترنت للتلاميذ. كما يطالب في ظلّ قرار منع التجوّل، بأن يُفتح المجال أمام الأساتذة للوصول إلى مدارسهم، حيث تؤمّن المدرسة لهم الكهرباء والإنترنت.

 لا تخفيض في الأقساط المدرسية 

في خضمّ واقع القطاع التربوي، يبقى همّ اللبناني الأساسي ما إذا سترتفع الأقساط المدرسيّة. وفي هذا السياق، يؤكّد الأمين العام للمدارس الكاثوليكية، على أنّ الأقساط المدرسية لا تُحدّد إعتباطيًّا، بل بموجب القانون 515. وفي ظلّ صعوبة الأوضاع الاقتصادية والمالية والمصرفية في لبنان، بات انتقال التلاميذ من التعليم الخاص إلى الرسمي ملحوظا. ويلفت عازار، إلى أنّ نسبة الأقساط غير المسدّدة للمدارس الخاصة للعام الماضي، تتراوح بين الـ 40 والـ 60 %. بالتالي، لم تتمكن هذه المدارس من تسديد مستحقات وأجور الأساتذة حتّى اليوم. وكذلك الأمر بالنسبة للمدارس المجّانية، التي لم تتقاضى مستحقّاتها من الدولة اللبنانية منذ العام الدراسي 2015-2016. وهذه الأزمة التي تعانيها المدارس، أدّت إلى إقفال تسعة مدارس في العام المنصرم. عن المساعدات التي وردت إلى المدارس وإلى الأهالي، وبما فيها المساعدات الفرنسية، يوضح عازار، أنّها لم تتوزع بشكل عادل ولم تكن كافية. إنّ التعليم عن بُعد لم ولن يخفّض الأقساط المدرسية لأنّه مكلف جدًّا، لا سيّما وانه ترافق مع التعليم الحضوري، الذي يتطلّب تأمين المراقبين الصحيين والأدوات الطبية اللازمة ومستلزمات التعقيم. ولكي تتمكّن المدارس من استكمال رسالتها الإنسانية والثقافية، يتمنّى عازار على الدولة، إقرار مشروع واحد من مشاريع القوانين التي قدّمتها الأمانة العامة للمجلس النيابي، التي من شأنها أن تحدّد كلفة التعليم وأن تطلق بطاقة تربوية، بهدف دعم المواطن ومساعدته في تحمّل الأعباء. فالقوانين المتّبعة منذ العام 1956، لم تعد فاعلة ومناسبة لإدارة الشؤون والقضايا التربوية، وهناك حاجة ملحّة لورشة عمل تربوية ولتشريعات عادلة ومعاصرة؛ تُبنى على عقد تربوي يرتكز على علاقة تعاون بين الأهل والمعلّمين والمدارس. ويناشد عازار المجلس لإعادة النظر بالقانون 46 الذي أقرّ لأسباب إنتخابية، والذي لم يراعى التوازنات بين الأهل والمعلّمين، وساهم في تعميق حدّة الأزمة الراهنة. إنّ دعم المدارس الخاصة لا يقلّ أهميّة عن دعم المستشفيات اليوم، وبحال ستسقط المدارس ضحية الأزمة الاقتصادية الحالية، سيكون للأمر تبعاته على المستوى التربوي والثقافي والإجتماعي والإقتصادي. ويعتبر عازار بأنّ التعليم يشكّل الرافعة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للوطن والتي بإمكانها أن تقضي على الفساد والمحسوبيات.

ماذا عن الإمتحانات الرسمية؟ 

إنطلاقًا من تفلّت الوضع الصحّي في البلاد، ومما تشير إليه الأوضاع الإقتصادية والمعيشية والسياسية من عدم استقرار، من المرجّح أن يستمر التعليم عن بُعد ليس فقط للعام الدراسي المقبل، بل أيضًا على مدى السنوات المقبلة. فهل ستتوفّر الإمكانيات المالية والتقنية لخوض التحدّي؟ وهل من رؤية واضحة لكيفية إجراء إمتحانات الشهادات الرسمية؟

ترى مديرة الإرشاد والتوجيه في وزارة التربية هيلدا خوري، أنّ متغيّر الكورونا غالبا ما يفاجئنا بمستجداته، لذا علينا أن نكون جاهزين لكل الخيارات في المرحلة المقبلة. وانطلاقا مما صرّح وزير التربية، تقول خوري بأنّ الوزارة متمسّكة بالإمتحانات الرسمية، وكما أجرت الدورة الخاصة والكولوكيوم وإمتحانات الجامعة اللبنانية، فهي تستطيع إجراء الإمتحانات الرسمية لهذه السنة.

من جهتها تشيد خوري، بجهود غالبية المعلمين، الذين أبدعوا في التغيير الذي فرضه هذا وباء الكورونا، والذين بذلوا عشرات الساعات لتحضير حصة دراسية واحدة عن بُعد.

من الناحية التقنية، تلفت خوري إلى إختلاف إنتاجية التعلّم عن بُعد، بحسب المادّة والعمر وطرق التدريس؛ فحلّ المسائل ليس كشرح الدرس، وتعليم الحروف في الروضات ليس بسهولة إعطاء الدرس عن بُعد في المرحلة الثانوية.

وتثني خوري على جهود وزير التربية لدعم القطاع التربوي، الذي لم يصل إلى خواتيمه بسبب إستقالة الحكومة ووضع البلد المأزوم اقتصاديّا. وتتمنّى على الدولة أن تضع التربية في أولوياتها، وأن تدعم القطاع الرسمي والخاص، لأنّنا إذا خسرنا التربية نكون قد خسرنا الوطن.