مُبادرة بري تُحاكي الحراك الفرنسي وتدفع باتجاه حكومة «صناعة لبنانيّة»

نبيه بري

كتب “محمد بلوط” في صحيفة “الديار”:

وضع الرئيس نبيه بري النقاط على الحروف امس حول ما قيل عن صمته في ظل الازمة الشديدة التي تعصف في البلاد، كاشفا عن مبادرة تقدم بها ترتكز على تشكيل حكومة من ذوي الاختصاص لا ينتمون الى احزاب او تيارات او حركات.

واعلن في بيان له عن اقتراحه هذا الذي تعطل عند مقاربة الثلث المعطل، مؤكدا انه» لا يجوز لاحد على الاطلاق الحصول على الثلث المعطل والا لا قيمة للاختصاص ولا لوجود حكومة يثق بها الداخل والخارج». لكنه اكد ايضا انه لن ييأس وسيتابع مسعاه، ما يعني ان مبادرته مستمرة ولم تصل الى طريق مسدود، وان استكمالها يقتضي امرين : اولا اختيار وزراء مستقلين غير محسوبين مع او ضد اي طرف من الاطراف وهذا يسري على الجميع دون استثناء، وثانيا رفض امتلاك اي طرف الثلث المعطل الذي لا ينطبق اصلا مع طبيعة الحكومة المطلوبة والمنشودة.

ولم يسم بري الجهة التي تعطل بالاصرار على المطالبة بالثلث المعطل . لكن مصادر في كتلة التنمية والتحرير قالت « لنبقى بالاساس وهو التعطيل بالاصرار على الثلث المعطل، فكتلة التنمية والتحرير وافقت على اسماء مستقلة، وهي ملتزمة بالمعايير التي وضعت في المبادرة الفرنسية ومن الرئيس المكلف لجهة الاختصاص والاستقلالية».

وبعد بيان رئيس المجلس سارعت رئاسة الجمهورية في بيان لمكتبها الاعلامي الى التأكيد بان الرئيس عون لم يطالب مطلقا بالثلث المعطل، وانه حريص على ممارسة حقه في تسمية وزراء من ذوي الاختصاص والكفاءة يكونون موضع ثقة في الداخل والخارج.

ويأتي اعلان بري عن مبادرته في الوقت الذي استأنفت باريس حركتها في اطار تنشيط مبادرتها لتأليف الحكومة اللبنانية مع اعلان الرئيس ماكرون عن نيته القيام بزيارة لبنان للمرة الثالثة.

كما تأتي ايضا مع المعلومات الاخيرة التي تحدثت عن دخول حزب الله على خط محاولة تقريب وجهات النظر بين عون والحريري من اجل استئناف الحوار بينهما لمعالجة النقاط العالقة في شأن التشكيلة الحكومية والاسراع في ولادتها.

واللافت ايضا مسارعة المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الى اصدار بيان امس طالب فيه السياسيين بدعم مبادرة بري «حفظا لوطننا وصونا لاستقراره، وانقاذا لاقتصاده ونقده الوطني ورحمة بشعبه».

ويقول مصدر سياسي مطلع ان حزب الله ليس بعيدا عن مبادرة الرئيس بري وان بيان المجلس الشيعي يعكس توافق ودعم الثنائي الشيعي لها للخروج من المأزق الحكومي الذي بات يشكل مشكلة حقيقية مضافة الى الازمة العامة في البلاد . ملاحظا ايضا ان تطرق بيان الرئيس بري الى احداث طرابلس وابعادها يؤشر بوضوح الى المخاطر الامنية المضافة الى المخاطر الاقتصادية والاجتماعية التي تحدق في البلاد والتي تستلزم وجود حكومة انقاذ فعالة.

ويضيف المصدر ان هناك مناخا اليوم يفترض التجاوب مع مبادرة بري، لكن ابرز شروط نجاحها مرتبط اولا بازالة الثلث المعطل من قاموس تاليف الحكومة، وثانيا بخلق اجواء مقاربة ايجابية بين عون والحريري مبنية على استكمال حوارهما وتدوير الزوايا والعزوف عن النكايات والتحديات وتظهير التشكيلة الحكومية التي تتضمن مواصفات المبادرة الفرنسية اولا وتعالج الخلافات حول بعض الاسماء والحقائب على اساس مبدأ الاختصاص والاستقلالية.

ويرى المصدر ان بري لم يشأ رمي الكرة في مرمى اي طرف بقدر ما سعى ويسعى الى تعزيز فرص ايجاد الحلول للازمة القائمة، وتسريع تشكيل الحكومة بصناعة لبنانية لان الازمة من «عندياتنا» كما عبر في بيان امس.

ولاحظ المصدر ان مبادرة رئيس المجلس تحاكي الحراك الفرنسي المتجدد وتخرج المساعي من دائرة المناشدات والنصائح الى مساحة الاقتراحات المحددة والعملية لتظهير وولادة الحكومة.

وبرأي المصدر ان بيان بعبدا بعد بيان بري يمكن البناء عليه اذا سلمت النوايا اولا لجهة تأكيد رئيس الجمهورية عدم مطالبته بالثلث المعطل وثانيًا بالتزامه اختيار ذوي الاختصاص والكفاءة، لكن تبقى العبرة بترجمة هذه المواقف من خلال التوافق بينه وبين الرئيس المكلف والاستعانة بالآلية البسيطة والواضحة التي اعلنها بري في مبادرته.

وفي ضوء هذه المستجدات تعود الانظار الى رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي يتهمه خصومه بانه وقف ويقف كل مرة وراء التشدد وعرقلة اي تقدم.

ويقول هؤلاء ان الرئيس عون كان وافق سابقا على تشكيل الحكومة من 18 وزيرا باعتراف مصادر بعبدا في حينه، ما اعطى انطباعا انه غير متمسك بالثلث المعطل، لكن دخول باسيل على الخط اعاد الحديث عن حكومة عشرينية لضمان الثلث المعطل رغم تكرار بعبدا نفيها مطالبة رئيس الجمهورية بهذا الثلث.

من هنا يرى خصوم باسيل انه وراء التبدل وانه لم يتخل عن الرغبة بالحصول على الثلث المعطل كتعويض عن خروجه من المشهد الحكومي، وكوسيلة من وسائل توفير احد عناصر حضوره المؤثر فيها وفي الحسابات الرئاسية.

اما مصادر التيار فترى ان هذه التحليلات والاتهامات هي لاهداف سياسية، لافتة الى ان باسيل لم يتدخل في عملية التأليف وان الرئيس المكلف لم يبحث معه في موضوع الحكومة منذ الاستشارات النيابية، ومؤكدة في الوقت نفسه على المشاركة الكاملة بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف في تشكيل الحكومة وعلى الشراكة والميثاقية التي تحكم هذه العملية.

وترى ان تاليف حكومة من ذوي الاختصاص لا يعني ابدا ان يأتي الرئيس المكلف بفريق عمل يقوده متجاوزا الشراكة الحقيقية.

وبانتظار ما ستحمله الايام المقبلة ترى الاوساط المراقبة ان موقف باسيل اليوم على المحك، وانه يستطيع ان يرمي اتهامات خصومه عن كاهله بتخليه عمليا عن مطلب الثلث المعطل وملاقاة مبادرة بري بنوايا ايجابية تساهم في تحسين اجواء التأليف واسقاط حجج الآخرين.

وتقول مصادر سياسية ان عين التينة بقيت منفتحة على الجميع بما في ذلك باسيل في عز تأزم العلاقات، وان رئيس التيار كان يقصدها مرارا لمراجعة الكثير من الامور، وهو نفسه وصف الرئيس بري بعد احد اللقاءات في تموز الماضي برجل لبنان الكبير، وهو الذي رفع اشارة « لايك» بعد لقاء مماثل تعبيرا عن الاجواء الممتازة التي سادت اللقاء كما عبر في حينه.