بعد حريق مرفأ بيروت: طرابلس تحترق

كتب “أسعد الخوري” في صحيفة “العرب”:

بعد حريق مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الماضي، ها هي طرابلس العاصمة الثانية للبنان تحترق، فقد أحرق خليط من الجياع والثوار والمرتزقة والمأجورين القصر البلدي التاريخي ومراكز أخرى مهمّة أو حطّموها وحاصروها بالنار والقنابل.

وبينما انتفض الثوار الحقيقيون على أحوالهم الاجتماعية المتردية، حيث يريدون رغيفاً ومدرسةً وعملا، سعى المندسّون والعملاء والمرتزقة لاستغلال فقر الناس وجوعهم وبحثهم عن قوتهم للعيش، ليحرقوا مدينةً ويدمّروا مؤسّسات!

فيما مضى كان السياسي والنائب الراحل عن طرابلس والمعروف بـ”طبيب الفقراء” عبدالمجيد الرافعي يزور المرضى من أهل المدينة وريفها من أهالي عكّار والضنيّة، في “بيوت التنك” المنتشرة كالفطر، حيث تزنّر مدينة “العلم والعلماء” بفقر مدقع ومرض قاتل.

وقلّةٌ من أطبّاء المدينة وعلى رأسهم الطبيب الرافعي، ظلوا “يدورون” على المرضى الفقراء والمعوزين، ولا يكتفون بتطبيبهم مجّاناً، بل كثيراً ما يلجأون إلى تقديم الأدوية اللازمة مجّاناً أيضاً، والموجودة في محفظاتهم الطبيّة!

كان ذلك في مرحلة ما قبل الحرب اللّبنانية المشؤومة، التي اندلعت في العام 1975 واستمرّت 15 عاماً، والتي غيّرت مفاهيم عديدة، وخلقت أجيالاً ممّن طبّعتهم سنوات الحرب وحوّلتهم إمّا إلى أمّيين فقراء معوزين، وإمّا إلى “مناضلين” يحملون البندقيّة دفاعاً عن قضايا لا تستحقّ الدفاع عنها في معظم الأحيان!

قبل سنوات الحرب كانت طرابلس مزدهرة بشكلٍ عام، رغم “زنّار” الفقر القائم حولها. وكانت مقصداً ومتجراً لكافّة أهالي شمال لبنان من عكّار حتّى زغرتا، ومسكن العائلات الميسورة من هذه المناطق. كما كانت المستشفى والمدرسة والسينما والمقهى والمطعم والمحلّ التجاري. وكان الناس يطلقون على المدينة اسم “أمّ الفقير” بسبب توافر كافّة المواد الحياتيّة فيها بأسعار متدنيّة.

كلّ شيءٍ في طرابلس كان متيسّراً، حتّى للفقراء لكنّ مرحلة ما بعد الحرب شهدت تغيّراً واضحاً في المزاج السياسي والاجتماعي. ورغم أن نوّاب وقادة المدينة الأثرياء -وهم كثر-، لم يتأخّر البعض منهم في تقديم المساعدات الطبيّة والاجتماعية للمعوزين من أبناء المدينة.

لكنّ الواقع كان يدعو إلى ضرورة تغيير هذه “القاعدة” التي تقوم على المحسوبية، والمتبعة في لبنان وليس في طرابلس فحسب، ذلك أنّ “أثرياء طرابلس” لم يطبّقوا المثل الصيني الذي يقول “بدل أن تعطيهم السمك، أعطهم الشباك وعلّمهم الصيد”.

والحقيقة المعروفة أنّ طرابلس قبل أحداث 1975 كانت مركزاً وموقعاً أساسياً لمصانع ومعامل كبيرة وصغيرة، وكانت شركة نفط العراق أو (مصفاة طرابلس)، توظّف الآلاف من العمال من طرابلس والجوار.

ومع ذلك، قضت الحرب على معظم هذه المعامل والشركات، كما خرّبت مصفاة طرابلس، حيث دُمِرت أنابيبها ومصفاتها، وأوقف النظام السوري تدفّق النفط عبر الأنابيب الممتدّة من كركوك العراقيّة إلى بانياس السورية وصولاً إلى طرابلس اللبنانية، فتوقّفت شرايين الحياة في الكثير من المعامل والمصانع الطرابلسيّة لأكثر من سبب، وهو ما أدّى بالتالي إلى بطالة وفقر وعوز لدى فئات اجتماعية عديدة.

أربع “ميمات”

بعد سنوات الحرب اللبنانية التي انتهت مع اتّفاق الطائف عام 1989، والتي دمّرت البشر والحجر في طرابلس وكلّ لبنان، وقيام مخابرات النظام السوري بقتل واغتيال المئات من المعارضين له في أحياء المدينة الشعبيّة في ثمانينات القرن الماضي، وشلّ الحركة في المدينة، خرجت القوات السورية من لبنان في العام عام 2005 إثر اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري.

لكنّ الطبقة السياسيّة الحاكمة في لبنان لم تغيّر شيئاً في مفاهيم السلطة والحكم. فوصلت طبقة من “الأثرياء” إلى مواقع السلطة في مدينة طرابلس وشمال لبنان. وكان المسؤولون عن “عاصمة الشمال” يقولون إنّ مرافق عديدة في طرابلس وشمال لبنان تحتاج إلى تطوير وتنشيط، وإيجاد سبل عمل جديدة للآلاف من العاطلين عن العمل.

كما دأبوا على الدعوة إلى تطوير أربعة مرافق عامّة أساسية هي، المعرض والمرفأ والمصفاة ومطار القليعات. لكنّ شيئاً حقيقياً وجدياً لم يحصل، مع الأسف.

وقد انطلقت الدعوات إلى ضرورة العمل على إعادة ترميم معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس وتنشيطه بعد سنوات من الإغلاق التام. كما طالبوا بإعادة افتتاح مطار رينه معوّض في القليعات- عكّار قرب طرابلس والعمل به من خلال إيجاد الآليات اللّازمة لذلك، لأنّ مطار بيروت الدولي وحده لا يكفي لخدمة الملايين من المسافرين من لبنان وإليه.

وبينما لا تزال مصفاة طرابلس على حالها رغم الضغوط بشأن إعادة تشغيلها وتفعيلها بعدما أحرقتها حروب النظام السوري على المدينة وأهلها. ويعاني مرفأ طرابلس من نفس المشكلة رغم الدعوات إلى تطويره وتعميق حوضه ليصبح قادراً أكثر على استقبال السفن التجارية الكبيرة، وليكون جزءًا هامّاً من الاقتصاد الشمالي، وعدم استئثار مرفأ بيروت بعمليات الشحن من الخارج والداخل.

لكنّ هذه المرافق الأربعة أو الأربع ميمات أي المعرض، المطار، المصفاة، والمرفأ، بقيت دون تفعيل. ولم يكترث نوّاب ووزراء طرابلس والشمال بالعمل على إجبار الحكومات اللبنانية المتعاقبة على ضرورة دعمها وتفعيلها وتشغيلها.

ورغم المساعدات المادية الآنية الموجهة إلى العديد من فقراء طرابلس، فإنّ ذلك لم يكن كافياً على الإطلاق. وكان أحد نوّاب طرابلس يقول (وهو على حقّ) “لا أحد يحل محلّ الدولة”، فالنواب المقتدرون لا يستطيعون وحدهم أن يسدّوا كلّ هذا الفراغ القاتل. كان على الدولة أن تحزم أمرها وتفعّل المرافق العامّة المذكورة.

لكنّ الحكومات لم تتحرّك ولم تفعّل مرفقاً واحداً. حتّى أنّ “أثرياء طرابلس” لم يبنوا مصنعاً واحداً ليعمل فيه العاطلون عن العمل من أهل المدينة، وبالتالي لم يقدّم أحد “صنّارة الصيد” للفقراء واستمرّوا في تقديم المعونات لهم ليبقوا قادرين على استخدامهم وتجيير أصواتهم في الانتحابات النيابيّة مقابل “حفنة من الدولارات”!

ثورة جياع

قال الإمام علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه) “لو كان الفقر رجلاً لقتلته”. لكن في طرابلس، يقتل الفقر والعوز والبطالة أهل المدينة. ويُضاف إلى كلّ ذلك حرمان الدولة المزمن لـ”العاصمة الثانية”، التي تلجأ إلى الثورة حيناً وإلى التمرّد أحياناً.

ودائماً هناك ظالمٌ هو الدولة ومظلومون هم أهل المدينة، التي تُعتَبر الأكثر جمالاً، ولكن الأكثر فقراً بين مدن شاطئ البحر المتوسط.

وتحوّل أهل طرابلس والجوار إلى فقراء ثائرين. صحيح هناك “مخرّبون ومندسّون ومأجورون” كما تشير التحقيقات الرسمية اللبنانيّة، لكنّ البؤس هو ما يميّز أهل طرابلس، أو أكثريّة أهلها وناسها. حرمتهم الدولة اللبنانيّة منذ الاستقلال عام 1943 حتّى اليوم، من حقّهم في التعلّم والطبابة والعمل والعيش الكريم.

والسؤال المطروح: هل أنّ ما جرى في طرابلس هو بداية “الحريق الكبير” في لبنان والانهيار الأكبر؟ هل أنّ لبنان أمام جهنّم حقيقية، كما “بشّر” يوماً الرئيس اللّبناني الجنرال ميشال عون؟ أم أنّ لبنان تجاوز هذا الواقع السياسي والاجتماعي الخطير، وبات لا يستطيع حتّى تشكيل حكومة؟ نعم حكومة هي الحدّ الأدنى المطلوب لمحاولة إنقاذ هذا البلد المعذّب والشعب المقهور.