حرب طرابلس من السراي إلى السراي

كتب “نجم الهاشم” في صحيفة “نداء الوطن”:

لماذا انتقلت المواجهات من محيط ساحتي الشهداء ورياض الصلح في بيروت إلى ساحة النور في طرابلس؟ ولماذا بدل استهداف السراي الحكومي الكبير ومجلس النواب في ساحة النجمة توجّه الغضب نحو السراي في طرابلس؟ ومن شوارع الصيفي إلى شوارع عاصمة الشمال؟ هل هذه الفورة من الغضب والمواجهات تأتي ضمن سياق ثورة 17 تشرين أم أنها تخفي مشروعاً آخر؟

المشاهد العنفية في مواجهات طرابلس خلال الأيام القليلة الماضية كأنّها صورة شبه كاملة عمّا كان يحصل في وسط العاصمة على مدى أيام طويلة وعلى مدى أشهر منذ ثورة “17 تشرين” والتحركات الشعبية الكبيرة التي نادت بالتغيير. كأنّ الذين كانوا يرشقون القوى الأمنية بالحجارة ويحاولون اختراق السور الحديدي الذي زنّر مقري مجلس النواب ورئاسة الحكومة وبعض مقرّات الوزارات هم أنفسهم الذين تجمّعوا ونزلوا إلى شوراع طرابلس وهاجموا السراي. وكأنّ القوى الأمنية التي تخوض المواجهة وتمنع تفاقم العنف في الشمال هي ذاتها في بيروت ولكنّ الأهداف والخلفيات قد لا تكون واحدة.

عندما كانت تحصل المواجهات في بيروت كانت القوى الأمنية تطارد المتظاهرين وتقذفهم بالقنابل المسيلة للدموع وتفرّقهم وتشتّتهم وتجبرهم على الإنسحاب، كان يقال إنّ هؤلاء يأتون بمعظمهم من طرابلس وإنّ هناك من يدفع لهم من أجل المشاركة في هذه الأعمال التي أضرّت بصورة الثورة وأخذتها إلى مكان آخر بعيد من المطالب الأساسية التي رفعتها. أكثر من مرّة كانت التحرّكات تبدأ سلمية وتتحوّل إلى عنفية. ينسحب المعترضون الحقيقيون المسالمون ويبقى من يتولّون عمليات التخريب والفوضى. لا كانوا يستطيعون أن يكسروا الطوق الأمني ولا كانوا يرتدعون وفي كل ليلة كانوا يعودون. تكرار هذا المشهد كان من بين أسباب أخرى أدت إلى خروج ثورة 17 تشرين من الشارع.

في طرابلس بدأت المواجهات من حيث انتهت في بيروت. هناك تبدو المواجهة أخطر. في بيروت كانوا يأتون من مسافات بعيدة ويتجمّعون ويواجهون بعنف ويتعرّضون للعنف ويسقط منهم جرحى ولكنّهم كانوا في كل ليلة يتفرّقون. يعلمون أنهم أضعف من أن يتمكّنوا من الدخول إلى حرم مجلس النواب أو السراي، وأنّه لا يمكنهم أن يتخطّوا الحدود الأمنية لمقر رئيس مجلس النواب في عين التينة أو الحدود الأمنية الشاسعة للقصر الجمهوري. في هذه المواجهات كانت قوّة القوى الأمنية طاغية بقوّة ومركزة في محيط هذه المقرّات المحصّنة بالحديد والباطون.

في طرابلس المسألة مختلفة. طرابلس في حدّ ذاتها غير بيروت. هناك في محيط ساحة النور يأتي المتظاهرون من الشوارع المحيطة ومن الأحياء الشعبية ويتجمّعون ويواجهون. قبل هذه المواجهات كانت طرابلس قد شهدت أعمال عنف كثيرة خلال التظاهرات الماضية فيها، حصلت اعتداءات على مقرّات حزبية ورسمية وعلى مصارف. تلك الصورة لم تكن تشبه أبداً ما كانت عليه تلك الساحة من حشود شعبية وتحرّكات لم تتخلّلها أيّ أعمال عنف حتى سمّيت طرابلس “عروس الثورة”. ولكنّ تلك العروس خلعت ثوبها الأبيض لترتدي ثوباً من الحديد والدم والنار. وطرابلس ليست بيروت أيضاً لأنّها شهدت على مدى أعوام معارك على المحاور بين باب التبانة وبعل محسن ومنها انطلقت شرارة حرب مخيم نهر البارد، وفيها خاض الجيش اللبناني أكثر من عملية تطهير أمنية ضد جيوب مسلحة ومنها انطلقت أكثر من محاولة تفجير انتحارية. حسابات المواجهات الجارية في طرابلس تختلف عن حسابات المواجهات التي كانت تحصل في بيروت.

حتى القوى الأمنية تختلف مواجهتها لما يحصل في طرابلس عن طريقة مواجهتها لما كان يحصل في بيروت. هناك للمرة الأولى يدخل الجيش اللبناني إلى الشوارع لإبعاد المتظاهرين مستخدما الملالات العسكرية. هناك في طرابلس حتى القتيل الذي يسقط في المواجهات لا يشبه القتيل الذي يسقط في بيروت. دويّ القتل في طرابلس أقوى وأكبر وأعنف وأشد إيلاماً.

عندما كانت شوارع الثورة تتحرّك مع بعضها كانت الثورة في أوجّ قوّتها. عندما باتت تنحصر المواجهات في وسط بيروت كانت الثورة كأنّها تتقزّم وتنزوي خجلاً. ما حصل في طرابلس في الأيام الأخيرة لا يشبه الثورة الأساس وإن كان يخفي بذور ثورة من نوع آخر ولديها أكثر من هدف. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تنطلق اتهامات متبادلة بعضها يعتبر أنّ تحريك الشارع بهذا الشكل هدفه الضغط على رئيس الجمهورية من أجل أن يوقّع التشكيلة الحكومية من دون أن يعترض. وفي المقابل هناك من اعتبر أن الهدف هو حمل رئيس الحكومة المكلّف على الإعتذار. الواقع على الأرض يقول إنّ هذه المواجهات لا يمكن أن تؤدّي إلى أيّ من هذين الهدفين. ولكن هل تستمر؟ لم تتحرك شوراع الثورة كلها مع طرابلس. بعض الدعم الخجول كان في تعلبايا ومفرق برجا في إقليم الخروب وفي كورنيش المزرعة… كأنّ هوية هذه التحركات كانت تعطيها صفة محدّدة. لم ينزل “الثوار” مثلاً إلى الشفروليه وجل الديب وجبيل وشكا والبترون وزوق مكايل وعاليه وزحلة وصيدا والنبطية وكفرمان… لذلك تبدو تحركات طرابلس أكثر خطورة في مرحلة صارت أكثر خطورة مما كانت عليه قبل 17 تشرين أو بعده بقليل. ثمّة حكومة عاصية على التشكيل وثمّة مراوحة سياسية في وضع منهار وفي ظلّ أزمة متفاقمة. ولذلك ثمة أسئلة يمكن أن تطرح:

ما سبب ابتعاد “حزب الله” عن الواجهة وترك الأمور تتفاعل سلباً في المواجهة الحاصلة بين رئيس الجمهورية والوزير جبران باسيل وبين رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري؟ ولماذا فرض ما يريده في الحكومة وترك الحرب مفتوحة بين الطرفين؟

هل يمكن أن يتمّ استدراج الجيش اللبناني إلى فخّ أمني في عاصمة الشمال بينما نجح منذ 17 تشرين في اجتياز كلّ الألغام التي حاول كثيرون زرعها في طريقه؟ هل يمكن أن تستدرج أحداث طرابلس ساحات أخرى إلى العنف وبالتالي توسيع المواجهات والتحدّيات الأمنية التي تثقل عاتق الجيش والقوى الأمنية؟

ما هي خطورة الغرق في هذه الأزمة بينما تتحكم هذه السلطة في منع عملية التغيير السلمية في ظلّ العجز الشامل عن الخروج من المأزق، وبينما يرزح اللبنانيون تحت أعباء كثيرة بلا مال وبلا آمال وبلا عمل وبلا مأوى وبلا دواء، بانتظار لقاح موعود قد تطيح به هذه الأزمة أيضاً ذلك أنّ خطة التلقيح تحتاج إلى مرحلة طويلة من الأمان. هذا الأمان الذي يسقط قتيلاً في طرابلس.

بدل أن تستعيد طرابلس صورة عروس الثورة ها هي تسير في المآتم.