“حروب إلغاء” في المستنقع اللبناني

كتب “جوني منير” في صحيفة “الجمهورية”:

يعيد الرئيس الاميركي جو بايدن وضع ركائز سياسة بلاده الخارجية بنحو مختلف عمّا فعله سلفه دونالد ترامب، واحدى اهم هذه الركائز اعادة التواصل والتفاهم والتعاون مع حلفاء الولايات المتحدة الاميركية، وفي طليعتهم القارة الاوروبية. وبما أنّ فرنسا تلعب دور العاصمة السياسية لأوروبا، كان لا بدّ من انكباب الدوائر الفرنسية المختصة، على وضع تصور لطريقة التفاعل الاميركي ـ الاوروبي مع القضايا الدولية الشائكة خلال ولاية بايدن.

صحيح انّ تواصلاً وتشاوراً كانا قد حصلا بين الفرنسيين وفريق بايدن خلال المرحلة الانتقالية لتبادل التصور العام، إلاّ أنّ الإتصال الرسمي على مستوى الرئاستين هو الذي يعتبر أنّه يحتوي توجّهات رسمية. وعلى الرغم من الأزمات الفرنسية الداخلية الصعبة نتيجة الخلافات السياسية والآثار المدمّرة لجائحة كورونا على الاقتصاد الفرنسي وعلى القطاع الصحي، إلّا أنّ هنالك اهمية قصوى تتعلق بالمصالح الاوروبية والفرنسية، خصوصاً في الشرق الاوسط وافريقيا. والبيان الفرنسي وحده تطرق الى تحديد ساحات وبلدان مثل لبنان، فيما غاب ذلك عن البيان الاميركي.

لا بل، فإنّ الملخّص اليومي الذي يصدر عن البيت الابيض ويتضمن ايجازاً حول اهم ما تطرّق اليه الرئيس الاميركي، ويجري توزيعه على المسؤولين الكبار ولا سيما الطاقم الديبلوماسي المعني في وزارة الخارجية، فهو ايضاً لم يذكر لبنان بالإسم. وهذا معناه انّ الملف اللبناني طرحه الرئيس الفرنسي، لكن الرئيس الاميركي ليس جاهزاً بعد للخوض في التفاصيل المطلوبة.

صحيح انّ واشنطن في حاجة الى دور اوروبي في الشرق الاوسط وخصوصاً في الملف المحوري، أي الملف الإيراني، لكنها وبخلاف الاوروبيين تبدو متريثة بعض الشيء، وهو ما يتطابق ايضاً مع التريث الإيراني.

ففي الواقع، إنّ ايران تريد استهلاك بعض الوقت، اما لتوجيه رسائل ميدانية، او لترتيب مواقع ميدانية، قبل الشروع في مفاوضات النووي، وهو ما سيحصل غالباً بعد انتخاباتها الرئاسية في حزيران المقبل.

وإدارة بايدن، التي تعطي اهتماماً فائقاً في المرحلة الحالية للملف الداخلي، تبدو ايضاً غير مستعجلة على ولوج الملف الإيراني، قبل توجيه الرسائل الحازمة حول الصواريخ البالستية ورقعة نفوذ ايران في الشرق الاوسط.

في الواقع، وخلافاً لكل التقديرات، فإنّ بايدن، والذي نجح ترامب في وصمه بالضعف والتردّد، يبدو ميالاً الى نقض هذه الصورة من خلال ملفي الصواريخ البالستية والقوى المتحالفة مع ايران مثل حركة «حماس» و»حزب الله» و»الحشد الشعبي» الخ… وهو ما يعني انّ الاشهر المقبلة الفاصلة عن الصيف، ستشهد رسائل نارية متبادلة، قد تصل الى حدود استخدام الاميركيين صواريخ «كروز» او غارات جوية.

وهذه الصورة تتوافق تماماً مع الكلام العسكري الاسرائيلي، بعد التواصل الرسمي مع ادارة بايدن.

في الواقع، وبخلاف التكهنات الكثيرة التي راجت، فإنّ ادارة بايدن لن تتدخّل في الانتخابات الاسرائيلية، فالرئيس الاميركي قرأ بتمعن نتائج صِدام باراك اوباما مع رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في العام 2016، وكذلك صدام جورج بوش الأب مع اسحق شامير في العام 1992، وانحياز بيل كلينتون الى جانب شيمون بيريز في العام 1996. اضف الى ذلك، انّ البديل الوحيد المحتمل لنتنياهو، جدعون ساعر، هو اقل براغماتية واكثر ايديولوجية من نتنياهو.

لذلك، قرّرت إدارة بايدن التواصل في العمق مع السلطات الاسرائيلية، بغض النظر عن هوية القرار السياسي فيها، وهذا ما باشرت به في 11 كانون الثاني، عندما التقى رئيس «الموساد» الاسرائيلي خلال زيارته الى واشنطن، مسؤولين في ادارة بايدن، من دون الإعلان عن ذلك. وهو سيعود مجدداً الى العاصمة الاميركية خلال شباط، للقاء الرئيس الاميركي نفسه، لمناقشة الملف الايراني بتفاصيله.

وما بين الزيارتين اتصال طويل بين مستشار الامن القومي الاميركي جيك سوليفان ونظيره الاسرائيلي مئير بن شابات.

صحيح انّ مواقف رئيس اركان الجيش الاسرائيلي افيف كوخافي قد اثارت انتقادات داخل اسرائيل، عندما هدّد بمهاجمة ايران، ما اعتُبر رسالة غير ودية لإدارة بايدن، إلّا أنّ ثمة رسائل اخرى لا تتعارض كثيراً مع مرحلة تبادل الرسائل النارية بين واشنطن وطهران. فعدا تهديده للبنانيين واهالي غزة بدعوتهم الى مغادرة منازلهم المشبعة بالصواريخ على حدّ قوله، والتي ستدمّرها هجمات الجيش الاسرائيلي، فهو اشار الى ما هو اهم، من أنّ الجيش الاسرائيلي يمتلك حرية العمل في كل انحاء الشرق الاوسط، امام المحور الايراني ووفق تحالف اقليمي مؤلف من اليونان وقبرص ومروراً بمصر والاردن والخليج.

ومن الواضح هنا، انّ كوخافي يتحدث عن مساحة عمل بالتحالف مع دول تُعتبر حليفاً وثيقاً للاميركيين، لكن ماذا يعني هنا؟

في الواقع، ورغم عملية اغتيال قاسم سليماني والتي نفذتها المخابرات الاميركية، إلّا أنّ معظم القوى في المنطقة ومن ضمنها ايران، تعترف بأنّ قدرة اسرائيل الأمنية اقوى من القدرة الاميركية.

ففي 12 شباط 2008 تمكنت المخابرات الاسرائيلية من اغتيال عماد مغنية في العاصمة السورية، وكشفت التحقيقات لاحقاً أنّ المجموعة الاسرائيلية التي نفذت عملية الاغتيال مكثت في الشقة المقابلة لمسرح الجريمة، زهاء ستة اشهر متواصلة، وإنّها أرجأت العملية مرتين.

وفي ايران، نجحت اسرائيل في عملية اغتيال كبير العلماء الايرانيين محسن فخري زادة في اواخر تشرين الثاني الماضي، من خلال تقنية متطورة وحضور مباشر وتحضيرات طويلة.

وفي لبنان تولت اسرائيل تنفيذ عمليات عدة مباشرة ومن دون الاستعانة بعملاء خلال مرحلة التنفيذ. وفي شهر آب 2019 فشلت مهمة امنية اسرائيلية من خلال طائرتي «درون» في الضاحية الجنوبية، وادّت الى سقوط احداها وانفجار الثانية. يومها كشفت التحقيقات انّ الطائرتين أُطلقتا من زورق اسرائيلي في البحر كان على بعد نحو كيلومترين من شاطئ الرملة البيضاء في بيروت. ولاحقاً ومنذ بضعة اشهر كُشف النقاب عن انزال لمجموعة استطلاع اسرائيلية عند شاطئ الجية.

ووفق هذا العرض السريع، لا بدّ من الاستنتاج أنّ احتمالات إشراك اسرائيل في حرب تبادل الرسائل الميدانية بين واشنطن وطهران خلال الاشهر المقبلة مسألة واردة جداً. والأهم انّ الساحة اللبنانية قد لا تكون في منأى، رغم انّ الفرنسيين بالنيابة عن الاوروبيين يحاذرون تعريض لبنان لمخاطر وتجارب لا طاقة له على تحمّلها، في ظلّ حال الاهتراء التي تعتري كل مفاصل الدولة اللبنانية.

ويزداد القلق الفرنسي ازاء حالة التحلّل الناتجة من النزاع الداخلي الدائر حول الحكومة، والتي يغلب عليها تعزيز المصالح الشخصية والمكاسب الذاتية من دون الالتفات الى المأساة التي يعيشها اللبنانيون، ودفعتهم الى القعر، وسط مواجهات عنيفة بين اصحاب الشأن، ولو تحت شعارات كبيرة. فالاوروبيون مذهولون من المعلومات التي وصلتهم حول النزاع الدائر في الكواليس، فيما المطلوب حكومة خارج اطار المحاصصة الحزبية، لفتح ابواب المساعدات وبدء السير في طريق النهوض الطويل والصعب.

وهي قرأت في عودة الحراك الى الشارع، رسالة ردّ من الجبهة المناوئة لرئيس الجمهورية، على الكلام الذي ردّده امام بعض الوزراء والمسؤولين، والذي جرى تناقله في الكواليس: «يبدو أنّ حكومة تصريف الاعمال ستعمّر طويلاً. يجب أن يذهب الجميع الى التحقيق ولتفتح ابواب السجون امامهم».

ووفق هذه الصورة، يعتقد الاوروبيون انّ هنالك استحالة في ولادة حكومة، يدور النزاع بشراسة فيها حول حقيبتي وزارتي الداخلية والعدل.

كذلك، فهي تقرأ في موضوع الاستحواذ على «الثلث المعطل» فيها، ولو تحت عنوان معيار «الحق بالتسمية»، تحضيراً لإقصاء المزاحمين على الاستحقاق الرئاسي.

اضف الى ذلك، الاقتراب من الموقف الايراني، كفرصة لإضافة بند بالتراجع عن العقوبات على رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، على جدول اعمال المفاوضات الايرانية ـ الاميركية.

وبذلك، تصبح الحكومة كما يجري التحضير لها، ساحة نزاع سياسي وجودي للقوى السياسية، وليست ابداً حكومة وضع خطة انقاذية للكارثة الاقتصادية والمعيشية والصحية التي تخنق لبنان. ولذلك ايضاً، يحاذر رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب اعادة تفعيل حكومته. فهو لا يريد التورط في نزاعات سياسية عنيفة، ولذلك ايضاً لن يدعو الى جلسة لدرس مشروع موازنة 2021 الذي رفعه اليه وزير المال، واراد من ذلك رفع المسؤولية عنه.

ولهذا السبب، لا تبدو شركة «الفاريز» مستعدة للعودة الى لبنان ولا حتى شركة «كرول» للتدقيق، فلا احد يريد التورط في وحول النزاعات السياسية اللبنانية. ولا يريد دياب أيضاً اتخاذ قرار رفع الدعم ولو جزئياً عن اي مادة او سلعة، هو يريد الانسحاب من النزاع السياسي المفتوح ولم يعد يُطيق البقاء في السرايا الحكومية. لكن الاهم والاخطر بدء مرحلة الرسائل الاقليمية الساخنة في بلد اصبح ركاماً ويكاد يزول.