معركة استعادة الأموال المَنهوبة… أم إسقاط رياض سلامة؟!

رياض سلامة

كتب “ناجي البستاني” في صحيفة “الديار”:

بعد أن بلغت الأزمة المَعيشيّة والحياتيّة التي تضرب لبنان حدًا كارثيًا، حيث عمّت البطالة وتضاعفت حالات الفقر والعوز، وبعد أن حُجزت الأموال في المصارف من دون أي بصيص أمل بإمكان إستعادتها في المُستقبل القريب، صار أي خبر عن تحقيق مالي، أو عن إحتمال كشف جزء من الأموال المَنهوبة، يُثير إهتمام الرأي العام اللبناني المُتعطّش لمعرفة حقيقة ما حصل! واليوم ينصبّ الإهتمام المحلّي على تحرّك القضاء السويسري، في ملفّ تحويلات ماليّة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة وعدد من المُقرّبين منه. فماذا في المُعلومات؟

بحسب مصادر مصرفيّة مُطلعة إنّ تحرّك السُلطات القضائيّة في سويسرا في ملفّ تحويلات ماليّة تعود إلى حاكم مصرف لبنان وإلى شقيقه رجا وإلى مُساعدة رئيسة له خلال السنوات الماضية تُدعى ماريان حويك، لم يأت من عدم، بل جاء نتيجة حملة مُنظّمة ومَدروسة تمّت لهذا الغرض على مدى سنوات، وهي تكثّفت خلال الأشهر القليلة الماضية. وأوضحت أنّه جرى العمل على خطّين: الأوّل داخلي وتمثّل برفع دعاوى قضائيّة ضُد سلامة في لبنان، بالتزامن مع شنّ حملة إعلاميّة شرسة ضُدّه، والخطّ الثاني خارجي وتمثّل بمدّ وسائل إعلام غربيّة بمعلومات وبمُستندات عن التحويلات الماليّة من لبنان إلى سويسرا، بالتزامن مع حثّ القضاء السويسري على الإضاءة على الموضوع من خلال حركة دبلوماسيّة وسياسيّة ناشطة، إمتدّت من مدينة برن، عاصمة سويسرا الإداريّة، عن طريق التواصل بمسؤولين مصرفيّين هناك، إلى بيروت حيث جرى الإجتماع بالسفيرة السويسريّة مونيكا شموتز كيرغوز من قبل أكثر من شخصيّة.

وأشارت المصادر المصرفيّة إلى أنّه على الرغم من أنّ المصارف السويسريّة تُعتبر ملاذًا آمنًا لكبار المُودعين في العالم أجمع، فإنّها تتحرّك في حالات مُحدّدة، مثل تبييض وغسيل الأموال، أو توظيفها في أنشطة إرهابيّة أو إجراميّة، وكذلك في حال حُصول أعمال إختلاس أو أعمال تحويل غير قانونيّة للأموال، إلى ما هناك من مُخالفات تسمح لهذه المصارف برفع السريّة عن الحسابات، وتتيح للقضاء السويسري التحقيق في الشبهات المَوجودة. وأضافت أنّ القضاء السويسري يتشدّد عند حُصول أيّ مخالفات، لأنّه حريص على سمعة مصارف سويسرا، وعلى نظامها المالي ككلّ، وهو بعيد عن التأثيرات السياسيّة والإعلاميّة. وتابعت المصادر عينها بأنّ القضاء السويسري يُحاول حاليًا تركيب صورة واضحة عمّا حصل ويحصل في ملف التحويلات الماليّة اللبنانيّة، بناء على المُستندات والوثائق التي بحوزته، وبناء على التحقيقات القائمة، وليس بناء على وشاية من هنا أو هناك.

وكشفت المصادر المصرفيّة المُطلعة أنّ سلامة الذي يعتبر أن ما يحصل عبارة عن حملة أخرى من الحملات المُتواصلة ضدّه منذ سنوات، لا بلّ منذ عُقود، سيتوجّه إلى سويسرا للدفاع عن نفسه مُباشرة أمام القضاء السويسري، وذلك فور الإنتهاء من تحضير الوثائق والمُستندات التي تدحض التُهم التي وجّهت له، حيث يُوجد رهان على أن يضع القضاء السويسري النقاط على الحروف، ويفصل بين الحقائق الملموسة والتجنّي العشوائي. وذكّرت أنّه في الصيف الماضي تقدّم ناشطون من مجموعة «الشعب يريد إصلاح النظام» بشكوى ضد حاكم مصرف لبنان بجرائم «النيل من مكانة الدولة الماليّة والإخلال بالواجبات والتقصير الوظيفيّ وإقتراف الغشّ عبر تأكيده المُتكرّر أنّ الليرة بخير لكسب ثقة المودعين وعدم قيامهم بسحب أموالهم من المصارف»، لكنّ أيّا من هذه الإتهامات لم يثبت خلال التحقيقات مع سلامة أمام القضاء اللبناني، مُبدية ثقتها بأنّ القضاء السويسري سيكون مُنصفًا، لجهة إدانة سلامة إذا كان مُذنبًا، أو لجهة تركه في سبيله وإعادة الإعتبار لسمعته إذا كان بريئًا.

من جهة أخرى، رأت أوساط سياسيّة أنّ تحميل رياض سلامة مسؤولية كلّ من الإنهيار الحالي، وإختفاء الودائع، وتغطية الصفقات والسرقات المُنظمة التي حصلت في لبنان، يندرج ضُمن حملة سياسيّة إعلاميّة مركّزة بهدف إقالته وإستبداله بشخصيّة جديدة، تنسف الهندسات المالية القائمة منذ سنوات طويلة، على الصعيد المالي، وتكون قريبة من «التيّار الوطني الحُرّ»، ولا تُنفّذ الطلبات الأميركيّة بشكل تلقائي، على الصعيد السياسي. وقالت إنّ بعض المصارف التي لن تتمكن من تنفيذ التعميم رقم 154 الذي يفرض سلسلة من الشروط على المصارف، دخلت على خط الحملة من خلف الكواليس، لأنّها فشلت في زيادة رأس مالها بنسبة 20 %، وفي إعادة جزء من الأموال المُحوّلة إلى الخارج، وفي إعادة تكوين نسبة 3 % في حساباتها لدى المصارف المرسلة.

وختمت الأوساط السياسيّة كلامها بالتشديد على أنّ أحدًا لا يعترض على إعادة الأموال المَنهوبة والمَسروقة، لكنّ تصفية الحسابات، وإستخدام الأزمة الحاليّة في لبنان لإستبدال حاكم المصرف، أو لتغيير السياسات الماليّة بالقُوة ومن دون تفاهم مُسبق، لن تعيد ليرة واحدة لأي مُودع، بل ستعرّض كل القطاع المصرفي للإهتزاز الشديد. ونبّهت إلى أنّ الوضع الإقتصادي في حال إنكماش كبير، سيستمرّ بالتأكيد خلال العام 2021، مُنبّهة بأنّ أيّ ضربة إضافيّة للقطاع المصرفي ستكون نتائجها كارثيّة!