عيادات تفرغ ومستشفيات تفقد كوادرها: أطباء الشمال يهاجرون

مستشفى في لبنان

كتب “مايز عبيد” في صحيفة “نداء الوطن”:

يعاني لبنان من أزمات كبيرة على كافة الصعد، ومن تجلّياتها هجرة الأطباء التي تحصل بشكل مستمر منذ بداية الأزمة في البلد. يجد الأطباء الذين فقدت معاشاتهم معظم قيمتها في البلد، أن الدولة غير مكترثة بأمرهم وأن معظم مستحقّاتهم تضيع هباء.

في الشمال يتناقص عدد الأطباء يوماً بعد يوم، ويقصد المواطنون الطبيب من هنا أو هناك ليجدوا انه اما أقفل عيادته أو ترك مستشفاه وغادر البلاد. تشير الأعداد غير الرسمية الى أن أكثر من 450 طبيب اختصاص، عدا عن أطباء الصحة العامة من الشمال، قد غادروا لبنان، والوجهة الأكثر رغبة بالنسبة إليهم هي العراق؛ وبعض دول الخليج، وأغلبهم يعمل أيضاً لدى المنظمات الدولية الناشطة هناك؛ وثمّة معاشات تتراوح بين 5 و 10 آلاف دولار أو أكثر، بحسب كل طبيب واختصاصه وخبرته.

يقول نقيب الأطباء في الشمال سليم أبي صالح: “إن هجرة الأطباء هي إحدى تجلّيات الأزمة الإقتصادية التي نعيش وإحدى نتائج سياسة هذه السلطة تجاه القطاع الصحي وتجاه البلد بشكل عام”. ويضيف “الهجرة طالت أعداداً كبيرة وأكثر من 1500 طبيب صاروا خارج لبنان، وهناك أعداد أخرى بالمئات على لوائح الإنتظار. نعم هناك هجرة تحصل والأطباء لا يحتاجون إلى أي وثيقة من النقابة بهذا الشأن ولذلك لا تعلم النقابة بها، إلا في حالة أراد فيها الطبيب تجديد الإشتراك السنوي، ولذلك ليست هناك أعداد دقيقة في هذا المجال”.

ويأسف أبي صالح لأنّ “من يهاجرون هم من أصحاب الكفاءات والخبرة والسجلّ الأكاديمي الباهر، وهذا يخلق مشكلة في الخدمات الطبية وكمية الخدمات، وهناك اختصاصات نادرة بدأنا نفقدها، لا سيما في الإنعاش والتخدير وفي الجراحة وغيرها”.

ويشدّد أبي صالح على القول: “نواجَه بتجاهل تام من قبل السلطة تجاه كل ما يجري مع القطاع الصحي؛ وكأنها فرِحة لتهجير الأطباء إلى الخارج.. نحن نتخوف من فراغ القطاع الصحّي في الشمال وفي لبنان من كوادره، وهذا خطير على مستقبل البلد”. ويؤكد “أن على السلطة أن تنقذ القطاع الطبي بأن تتصرف أولاً على “أنها سلطة قيّمة على بلد، وأن تغيّر من عقليتها بالعمل والتعاطي مع القطاع الصحي، وليس النظر إليه كمصدر ربح للشركات المستثمرة في المستلزمات الطبية والأدوية وكل ما يخص هذا القطاع. وثانياً على السلطة أن تتصرّف على أنها مجبورة بتأمين الخدمات لشعبها وعدم تقديم الرشى المالية، عليها أن تتصرّف كدولة وليس كفئة مهيمنة على القطاع. ومن ناحية التعاطي مع مقدّمي الخدمات الطبية يجب ألا يُنظر إلى القطاع كمصدر للزبائنية وأن تأخذ الدولة على عاتقها وهذا طلب قدّمناه، مشروع الرعاية الصحية لجميع المواطنين، بالأخص في موضوع أزمة “كورونا” حيث المواطن يدفع ثمن استشفائه والدولة غائبة… نحن كأطباء لا نريد لا مساعدات ولا هبات، نريد أتعابنا التي تحبسها الدولة منذ 2019 والمحافظة على معنويات القطاع الصحي، وعدم تركه لقمة سائغة لأي كان… من الواجب في هذا الصدد أن تكون هناك نيابة عامة صحية هي التي تحاكم الطبيب، وهذا مشروع قدّمناه أيضاً من أيام وزير العدل السابق أشرف ريفي”.

ويرى أبي صالح بالمقابل أن الدولة هي التي تدفع الأطباء وغيرهم نحو الهجرة من خلال قوله: “نعم من حق الأطباء أن يعيشوا بكرامة ويبحثوا عن تأمين تعليم أبنائهم. لسنا مستعدّين للتنازل عن حقوقنا ومستحقّاتنا لأجل طبقة سياسية فاسدة. نحن لا نريد حصانات بل أن نعامل كمواطنين… نحن لدينا حقوق مع الضمان ومع وزارة الصحة، وليست مقبولة بهذا الخصوص الطريقة التي يتعاطى بها محمد كركي مع الأطباء بالتهويل، وليدفع ما عليه لنا في ذمّة الضمان”.

اما الدكتور محمد هزيم فيرى “أن أغلب اعتماد المستشفيات اليوم على الأطباء المقيمين بسبب هجرة الأطباء الحاصلة”. ويقول: “وقع علينا ظلم كبير، كانت معاشاتنا بحدود 700 $ وصارت الآن 80 $… طبعاً لبنان كان في السابق البلد الأمثل للطبيب ومعيشته وكان البلد الأمثل على مستوى العناية الصحية بشكل عام. لا شك أنّ تأثير هجرة الأطباء على لبنان بشكل عام وكل القطاعات وليس فقط على القطاع الصحي، لا سيما عندما نعلم أن لبنان كان مقصد الكثيرين من دول العالم والخارج لأجل نظامه الطبي الجيد، والآن أصبحت أمور البلد في مكان آخر، وهذا ستكون له ارتدادات سلبية على مجمل الوضع العام في البلد”.

إلى ذلك، يشعر الأطباء حديثو التخرّج أن لا مجال آخر أمامهم وفي هذه الظروف الصعبة إلا الهجرة، التي تبقى اليوم الملاذ المتبقّي فيه ضوء لكل لبناني وليس الأطباء فقط.