الأزمة الإقتصادية “تؤجّل” الدخول في الخصخصة

وزارة المالية

كتبت “جويل فغالي” في صحيفة “نداء الوطن”:

الإقتصاد اللبناني يقف على حافة الإنهيار. الأزمات تتوالد من رحم المعاناة الاقتصادية والصحية والاجتماعية اليومية للمواطنين. نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي قد ترتفع بحسب تقرير الامم المتحدة إلى نحو 200 في المئة من الناتج الإجمالي، لتكون النسبة الاعلى في العالم. أمّا السبب فهو ببساطة: فشل الدولة في إدارة القطاع العام. فهل حان وقت الانتقال إلى الخصخصة واعتبارها الحل الأنسب للأزمة المالية والإقتصادية في لبنان؟

يكثر الكلام في هذه الأيام عن الخصخصة في لبنان. فالدولة وبكل ما فيها من فساد ومحسوبية وتوظيف عشوائي، فاشلة وغير قادرة على إدارة قطاعاتها الإنتاجية العامة. ونظراً للأزمة الإقتصادية والمالية التي يواجهها لبنان، فقد تم اقتراح خصخصة مؤسسات وأصول الدولة كحل لإخراج البلاد من المأزق الحالي. عد٘ة أسباب تدفع إلى تطبيق الخصخصة في لبنان في طليعتها الدين العام، وعجر الموازنة وبعض المؤسسات العامة التي بدورها تؤدي إلى إرتفاع هذا الدين. إضافة إلى أسباب أخرى سياسية أدت إلى تره٘ل الوضع الإداري في هذه المؤسسات نتيجة إدارتها بطريقة مذهبية وطائفية والتي لا تتطابق مع مفاهيم دولة القانون والمؤسسات. وبحسب الخبير الإقتصادي وليد أبو سليمان:” لا يزال لبنان بعيداً عن تلبية المتطلبات الأساسية اللازمة للخصخصة وخاصة في الوضع الإقتصادي الصعب التي تمر به البلاد”. وتشمل هذه المتطلبات: البيئة التنظيمية السليمة، وقوانين وأطر مكافحة الفساد، وعملية الشراء الشفافة، وأسواق رأس المال التي تعمل بشكل جيد، والمنافسة العادلة.

الخصخصة في لبنان

تتطلب جهود التغيير إعادة النظر في تقاليد الإنفاق السائد وفي الوظائف المتره٘لة التي تفتقر إلى الإنتاجية. وإعادة النظر لا تستهدف إلغاء أو تقليص دور القطاع في مجال إعادة توزيع الثروة، بل هي تعمل على تحسين الأداء والإنتاجية وعلى إيصال الخدمات العامة بشكل أفضل ومُنظم. وبدوره يؤكد الأمين العام للمجلس الأعلى للخصخصة زياد حايك “أهمية الخصخصة كوسيلة لتحسين أداء القطاعات العامة وهذا يعني تحسين خدمة القطاعات وتخفيض قيمة الفواتير كالكهرباء مثلا، فبدل أن يدفع المواطن عد٘ة فواتير، سيتولى دفع فاتورة واحدة”.

بحسب دراسة البير كوستانيان في”خصخصة الاصول العامة للبنان”، فإذا خصخصت الدولة مثلاً كازينو لبنان casino du liban ، سيتمكن القطاع من زيادة القدرة التنافسية من خلال القضاء على التدخلات السياسية الشهيرة، والسعي إلى إلغاء الإحتكار، وزيادة إيراداته من أجل تحقيق أهداف أوسع. وعلى صعيد قطاع الإتصالات، هناك حاجة ماسة للإستثمار من قبل القطاع الخاص لاستكمال وتحديث البنى التحتية القائمة. ويعمل القطاع الخاص على تعزيز الإبتكار والمساعدة لتطوير النظام الإيكولوجي لتكنولوجيا المعلومات والإتصالات. وستؤدي الخصخصة إلى زيادة المنافسة، مما سيفيد المستهلكين والشركات، ويجعل الاقتصاد أكثر قدرة على المنافسة. كما تم بحسب هذه الدراسة تقسيم القطاعات إلى 3 فئات على أساس مستوى الجاذبية أو إمكانية الخصخصة:

• الأصول التي تتمتع بجهوزية عالية والتي يمكن خصخصتها كلياً أو جزئياً على المدى القصير لأنها تمثل مخاطر قليلة أو معدومة مع المراعاة للمتطلبات الأساسية، ومنها كازينو لبنان وطيران الشرق الأوسط.

• الأصول ذات الإمكانات العالية التي تخضع خصخصتها لأطر وأنظمة قطاعية، لا يمكن خصخصتها بشكل جزئي وتدريجي إلا بعد استيفاء المتطلبات الأساسية، ومنها إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية “الريجي” وقطاع الإتصالات.

• الأصول التي يمكن تطويرها بموجب امتياز أو عقد إبرام أو إيجار والتي يمكن أن تحقق فوائد طويلة الأمد لعامة الناس وللدولة، ومنها قطاع الكهرباء والمياه.

الخصخصة ليست الحل للأزمة المالية

والى جانب أهمية الخصخصة في مواجهة المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها كثير من الدول المتقدمة والنامية، لا يمكننا إعتبار الخصخصة جزءاً من الحل للأزمة الإقتصادية في لبنان أو عملية لإنقاذ أموال المودعين العالقين في النظام المصرفي اللبناني. حيث يعتبر حايك ان “اليوم ليس الوقت المناسب للتفكير بالخصخصة. ففي ظل هذا الإنهيار يصعب استقطاب أي مستسمر لأي مشروع في لبنان. فالمطلوب إذاً في الوقت الحاضر، تحسين أداء الشركات والمؤسسات العامة ومن بعدها يُمكن التفكير بالخصخصة كحل لإصلاح ورفع إنتاجية هذة المؤسسات”.

من جهته يعتبر أبو سليمان: “أن الخصخصة بما فيها بيع أصول الدولة مُفرّط في الوقت الحالي في ظل هذا الإنهيار الإقتصادي والإجتماعي والخسائر التي كب٘دتها جائحة كورونا، لأن الإيرادات التي ستولدها هذه الأصول على المدى القصير غير كافية بالمقارنة مع خسائر لبنان الإجمالية”. وبحسب دراسة البير كوستانيان “إذا باعت الدولة كامل قطاع الإتصالات اليوم سيجلب 3.2 مليارات دولار للخزينة. أما إذا أدارتة بشكل أفضل، قد تفوق عائداته الـ 1.5 مليار دولار سنوياً”.

إضافةً إلى محطة الحاويات في مرفأ بيروت التي كانت تستقبل في السابق حوالى 200 ألف مستوعب سنوياً، وبعد عقد تشغيل مع شركة خاصة أصبحت تستقبل ما يفوق مليون مستوعب سنوياً.

الخصخصة إذاً عبر بيع مؤسسات الدولة ليست الحل الأنسب للأزمة. المطلوب هو المحافظة عليها وحسن إدارتها عبر إشراك القطاع الخاص لرفع مداخيلها وانتاجيتها. ويؤكد ابو سليمان: “ضرورة اشراك القطاع العام بالقطاع الخاص لتحسين الإنتاجية ورفع واردات الخزينة إضافة إلى التخفيف من حدة الفساد والهدر في القطاعات العامة”.

عملية الخصخصة تتطلب في النهاية مجهوداً من قبل المواطنين والمسؤولين على حد سواء بهدف إنشاء برنامج جدي وشفاف مجرد من أي اعتبار مذهبي أو فئوي أو سياسي. ويجب أن تؤمّن مشاركة المواطنين في تملك المؤسسات العامة المخصخصة، وفي تطوير الإقتصاد اللبناني، وألّا تكون عملية تحويل الإحتكار العام للمؤسسات في الدولة إلى احتكار خاص.